إننى أحتقر أى امرئ يطعن العربية دون غيرها من اللغات الأوربية أو الآسيوية، وهى لغات انتقل إليها الطب ولم تنتقل هى إلى الطب.. إن التأثر الخسيس بالاستعمار الثقافى من وراء تدريس بالروسية، ولو انتصرت إسرائيل فسيكون التدريس بالعبرية.. إن الهمج أتباع لكل ناعق، وأذيال لكل غالب، والآن نرى فلاحين من أعماق القرى، أو أعرابا من سكان الصحراء يرسلون إلى الإذاعات في لندن وواشنطن يطلبون سمعاع أغانى أجنبية، ويهدونها إلى آبائهم أو أمهاتهم الجالسين على الأكوام أو تحت الخيام!!. أما ينتهى هذا الهزل، وتستخفى تلك الوضاعة في العلوم والفنون على سواء؟ أما نتعصب للغتنا؟ إن الحضارات تهتم بالفنون والآداب كما تهتم بالعلوم والإنتاج! ويظهر أن الإنسانية ترتبط بالمشاعر العاطفية، والنواحى الجمالية، ودواعى المرح والاستجمام مثلما ترتبط بالضرورات الاقتصادية، والمباحث العقلية والكونية... وما نراه في العالم الآن يصدق هذه الفكرة، فالناس من وراء العالم الإسلامى لهم فنون جادة وهازلة، ولهم آداب مستقيمة ومائلة، وتلك طبيعة البشر!. وما نخافه هو أن يغل الجانب الطائش، ويكتسح ما حوله.. وقد راقبت الفنون والآداب في عالمنا العربى فوجدت أن عددا من الفنانين والكتاب بلغ من الإسفاف حدا يخشى منه على الأخلاق والقيم الكريمة، وإذا لم يضرب على أيديهم فلن تفلح أمتنا أبدا.. الكلمات المحقورة تجرى على ألسنتهم والحركات الهابطة ، وفقدان الهدف العالى، كأن المهم إضحاك الرعاع، وابتزاز أموالهم..، وقد آلف الأوروبيون روايات في موضوعات شتى، وأنشؤوا أنواعا من الفنون تليق أو تتجاوب مع بيئتهم، وحاول رجال منا تقليدهم في الأدب التمثيلى، واستطاع شوقى تأليف روايات أدبية وسياسية لها قيمة كبيرة، بيد أن الحرب المعلنة على الأدب الرفيع أجهزت على المشروع كله، فانتهى بنهاية شوقى...
ص _193