الصفحة 74 من 194

إننا نحن البشر خلقنا لأداء رسالة كبيرة على ظهر الأرض، ومنحنا حرية الحركة يمنة ويسره، وقيل لكل امرئ أنت صانع مستقبلك، إما إلى جنة وإما إلى نار، فهل يستطيع نابغة أو بليد أن يعرف كيف يتم التنسيق بين عملنا المستقل، وإشراف الله على حياتنا؟ وإدارته لأجهزتنا؟ ما يستطيع اكتناه ذلك بشر وإن كان حقا، وعجزنا عن ذلك لا يعنى أن الحجر والبشر سواء في الوجود والوظيفة والغاية المرسومة.. وفى ذلك يقول أبو حنيفة رضى الله عنه:"هذه مسألة قد استعصت على الناس فأنى يطيقونها؟ هذه مسألة مقفلة قد ضل مفتاحها، فإن وجد مفتاحها علم ما فيها! ولن يفتح إلا بمخبر من الله يأتى بما عنده. ويأتى ببينة وبرهان. وقد قال القوم من أهل الجدل في هذه المسألة: أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس كلما ازداد نظرا ازداد حيرة!!". ويقول أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة: لقد اندفع العلماء في هذه الحومة من الجدل، وتباينت أقوالهم، واختلفوا، وكان اختلافهم في أمر فيه متسع للخلاف، ولم يكن في أمر معروف من الدين بالضرورة، إنما كان خلافا فلسفيا على هامش الاعتقاد وليس في لبه، وهو على أى حال اختلاف يضل السارى فيه، ولايجد علما من أعلام الهداية ينتهى عنده. ولقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالإيمان بالقدر خيره وشره، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخارى:"كل شىء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس". وكان الصحابة يؤمنون بقدرة الله تعالى، وبأنه خالق كل شىء، ويؤمنون بالقدر ولا يخوضون فيه، بل إذا جاء القدر أمسكوا، ولكن الذين يريدون أن يثيروا الحيرة الفكرية بين المسلمين كانوا ولا يزالون يثيرون الكلام في القضاء والقدر، وصلته بالتكاليف والثواب والعقاب، ولقد سأل بعض الناس الإمام

ص _081

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت