يستحيل أن يكون الجهل بالحياة دينا، أو أن يكون الفشل فيها تقوى! املك الدنيا بذكاء واقتدار ثم وجهها لإعلاء كلمة الله، وإعزاز الإيمان ورفع رايته.. إن من يملك صفرا في شئون الدنيا لن يكون إلا صفرا في شئون الآخرة، وقد رأيت أقواما لاقدم لهم في آفاق المعرفة يريدون الحديث عن الله ودينه، فاستغربت جراءتهم وقلت:"الرحمن فاسأل به خبيرا". كيف يعرف الله أو يعرف الناس به جاهل بالعالم ومافيه، وبالتاريخ ومباهجه ومآسيه.. إن القرآن كتاب لايرتفع إلى مستواه رجل عادى، ومحمد لايستطيع التأسى به إلا إنسان في عقله نور وفى قلبه نور. لايمكن بناء قاعدة للتربية حتى نحدد أولا موقفنا من الدنيا. أنعيش لها أم للدار التى بعدها؟ أم للاثنتين معا؟ إن الحضارة الحديثة انطلقت من قاعدة مهدها عصر الإحياء من خمسة قرون، قاعدة بشرية عقلانية، تدرس السموات والأرض وما بينهما، وتستكشف أسرار المادة، ثم تجعل ثمرات الدرس والكشف لخدمة الإنسان! هل للدين موضع في هذه الدراسات الجاده الدءوب؟ كلا، لقد وقعت عداوة دامية خسيسة بين العلم والكنيسة. جعلت العلماء يعتقدون أن الدين مرادف للجهالة والجمود، وأن رجاله أوثان حية رديئة ينبغى الخلاص منها.. فأين الاسلام عندئذ؟ لقد انتحر المسلمون في الأندلس، وقضى عليهم العفن السياسى والترف الاجتماعى وانشغال العلماء بقضايا جزئية ومسائل جدلية! لم يكن الأندلسيون في النصف الثانى من تاريخهم نماذج مقبولة للإسلام، بل كانوا ينفرون منه، وفقدوا فقدانا تاما خصائص الدعوة والدعاة.. وهذا البلاء انتقل من الشرق الإسلامى إلى المغرب، فإن فساد السياسة
ص _093