والاقتصاد والعمران تكاثرت جراثيمه، وتنامت نتائحه حتى قضى التتار على الخلافة المعتلة، ثم قضى الصليبيون من بعد على الدويلات الإسلامية في الأندلس، والتى كان شغلها الشاغل التنازع على السلطة والثروة.. صحيح أن الأتراك رفعوا راية الخلافة، واستطاعوا في زحف باهر أن يخترقوا شرق أوربا حتى النمسا، لكن الأتراك كانوا قوة عسكرية، ولم يكونوا فجرا ثقافيا جديدا، ولو صحبهم جهاز للتربية والتعليم، والبلاغ المبين لكان لهم في الأقطار المفتوحة شأن آخر!! إنهم رفضوا أن يتعربوا كما رفض العرب أن يؤثروا على أنفسهم، وأن يتركوا السلطان لغيرهم، فكان التوسع الإسلامى خاليا من بذور الحضارة الأولى، ومن أسباب الحياة الصحيحة، فسرعان ما انهار، وانهار العالم الإسلامى بعده، وأصبح أثرا بعد عين! أما الأوربيون، فبعيدا عن الدين قرروا حرياتهم السياسية، ووضعوا"الماجناكارتا"بعد قتل الملك المستبد- حدث ذلك في انجلترا- واشتعلت الثورة الفرنسية، وكانت هى الأخرى كافرة بالدين، ووضعت لأصحابها نظاما آخر، وكانت ثورة تتسم بالبطش وتسرف في الفتك.. ثم جاءت الثورة الحمراء مصحوبة بسيول من الدماء، وألوان من الوحشية، وقد هدمت الكنائس بعدما فرغت من أهلها، أما المساجد فقد دفنت أهلها فيها، ومصاب الإسلام في الاتحاد السوفيتى يحتاج إلى دراسات واسعة!! المهم بعد هذه النظرة الخاطفة أن حضارة الغرب قامت من قرون على الكفر بالله، وإن كانت قد انتفعت ببعض المخلفات الإسلامية والإنسانية في نهوضها.. بيد أن شيئا مثيرا قد حدث مع بدايات القرن الأخير، فإن الصليبية لعقت جراحها، وأخذت تقترب من المنتصر، تتود إليه، وتعرض عونها عليه، وكذلك فعلت الصهيونية، واصطلح الجميع على إحراج الرسالة الخاتمة، والاستيلاء على ميراثها الضخم، وقد بدأ لكل عين أنه ميراث لاصاحب له، أو بتعبير آخر لاحارس له!!
ص _094