تسبح في فلك لا يسف أبدا، قد يهوى النجم ولكن محمدا يستحيل أن يهوى... وطريق الاكتمال والتسامى هو التزام هذه الأسوة، والاستمداد الدائم منها، ويتطلب ذلك نوعا من المعاناة والمجاهدة، يعجز عنها إلا من عصم الله.. إن التربية ليست وضع البذور في أرض على رجا مطر يحبىء أو لا يحبىء، ولا جهد وراء ذلك، كلا، إنها بذر وسقئ وتعهد، ومطاردة للحشرات والأوبئة، ومتابعة صاحية حتى أوان النضج.. والمربون هم البيت- وأساسه المرأة- والمدرسة والمسجد، والشارع والدولة، بما ملكته في العصور الأخيرة من قدرات اقتصادية وثقافية وإعلامية.. والحق أن الصحابة والتابعين كانوا نتاج تربية نبوية مباشرة، جعلت منهم الجيل الذى حول الحضارة الإنسانية من حال إلى حال.. وأشعر اليوم بشىء من الأسى واليأس لأننا لا نجمع من عناصر التربية ما يجعل أمتنا تنبت في مغارسها، وتجدى على رسالتها.. ذاك في وقت تعربد فيه شياطين الإنس والجن، ويكاد الهوى ينفرد بزمام العالم أجمع.. لا بأس أن أقسم الأخلاق إلى قسمين: أخلاق ربانية وأخلاق إنسانية، ولأرجىء الحديث الآن في القسم الثانى مع أن كليهما ضرورى لصدق الإيمان واكتماله. المؤمن الناضج الاعتقاد يتجاوب مع قول الرجل الصالح:"وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد". فن نضب فؤاده من التفويض إلى الله فقد الأخلاق الربانية.. والمؤمن الناضج الاعتقاد يتبع هودا وهو يقول لقومه:"إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها". فمن خلا قلبه من هذا التوكل فقد فقد دعامة من معالم الربانية، وانطلق في الحياة محصورا داخل نفسه..! والمؤمن الناضج الاعتقاد يقتنع بقول الله له:"وإن يمسسك الله بضر فلا"
ص _097