الصفحة 27 من 96

وقد وسع فقهاء الحنفية هذا فجعلوه أصلًا قال الكساني: (( وهذا أصل عندنا في كل نسك جاز تركه لعذر أنه لا يجب بتركه من المعذور كفارة ) ) (1) . وقد ألحق فقهاء الشافعية بالحائض الخائف من ظالم أو فوت رفقة أو غريم, وهو معسر ونحو ذلك (2) ، فقالوا بسقوط طواف الوداع عنهم. وقال بعضهم بعدم إلحاق المعذور لخوف ظالم أو فوت رفقة بالحائض وأوجبوا عليه الدم وبهذا قال فقهاء الحنابلة سواء تركه عمدًا أو خطأ أو نسيانًا لعذر أو غيره; قالوا: لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطؤه والمعذور وغيره.

والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الحنفية والشافعية أسعد بالدليل وأقرب إلى الصواب؛ فإن جميع الواجبات منوطة بالاستطاعة كما دلت عليه النصوص قال تعالى:?فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ? (التغابن: من الآية16) . وقال النبي- صلى الله عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ) (3) . رواه البخاري ومسلم.

وعلى هذا فإن كل من ترك طواف الوداع لعذر يمنعه منه فإنه لا شيء عليه. فمن عجز عن طواف الوداع خشية التضرر بالزحام إما لمرض أو كبر أو صغر أو خشية فوات رحلة أو ذهاب رفقة أو خوف ضياع ونحو ذلك من الأعذار، ولم يتمكن من انتظار زوال الزحام، فإنه لاحرج عليه في ترك طواف الوداع، ولا يجب عليه شيء لذلك، والله أعلم.

(1) …بدائع الصنائع (2/142) .

(2) …ينظر: تحفة المحتاج (4/143) ، أسنى المطالب (1/500) ، نهاية المحتاج (3/317) .

(3) …البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: (7288) ، ومسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، رقم: (1337) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت