وعلى هذا فإن من ترك التوجه إلى منى يوم التروية والمبيت بها ليلة عرفة لأجل الزحام، فإنه لاحرج عليه، وإنما فوّت فضيلة العمل بالسنة فقط، أما إن كان ترك ذلك لكونه لا يجد مكانًا ينزل فيه فالذي أرجو أن ينال ثواب ذلك بنيته التي حال دون العمل بها عدم وجود مكان ينزل فيه، والله أعلم.
المطلب الثاني: أثر الزحام في وقت دخول عرفة
الثابت من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يأت الموقف يوم عرفة إلا بعد أن زالت الشمس، ففي حديث جابر في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مسلم قال رضي الله عنه: فأجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس (1) .
ولا خلاف بين أهل العلم أن ما قبل طلوع فجر من يوم عرفة ليس زمنًا للوقوف، وأجمعوا أيضًا على أن من وقف بعرفة بعد الزوال فوقوفه صحيح (2) ، وقد اختلفوا في الوقوف بعد الفجر وقبل الزوال هل يجزئ أو لا؟ فذهب جماهير العلماء من الحنفية (3) والمالكية (4) والشافعية (5) وغيرهم إلى أن وقت عرفة يبدأ من بعد الزوال، فمن وقف قبل الزوال ولم يقف بعد ذلك لم يصح وقوفه.
(1) …كتاب الحج، باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: (1218) .…
(2) …الاستذكار (4/281) .
(3) …بدائع الصنائع (2/125-126) .
(4) …مواهب الجليل (3/94) .
(5) نهاية المحتاج (3/299) .