ومن هذا يتبين أنه ليس هناك نص صريح في تحديد قدر وقت النزول في مزدلفة الذي يتحقق به الوقوف الواجب لأصحاب الأعذار، والذي يظهر لي أن كل تحديد يمكن أن يرد عليه اعتراض لعدم صراحة دلالة الأدلة عليه، ولكن بالنظر إلى العلة التي شرع من أجلها تقديم الضعفة ونحوهم، وهي توقي حطمة الناس أي زحامهم كما جاء حديث عائشة المتقدم، فيمكن أن يقال: إن الوقت الذي يجوز فيه الانصراف من مزدلفة هو ما يتوقى به الضعفة ومن في حكمهم ضرر زحام الناس.
وهذا الترجيح تشهد له علة الحكم، ويمكن أن يستفاد من قول الحنفية الذين لم يحدوا حدًا لوقت التقدم، بل إنهم قد ذهبوا إلى إسقاط الوقوف بمزلفة خشية الزحام فقالوا: (( من جاوز المزدلفة قبل طلوع الفجر فعليه دم لترك الواجب إلا إذا جاوزها ليلًا عن علة وضعف فخاف الزحام فلا شيء عليه ) ) (1) .
المسألة الثانية: ضابط الذي يباح له التقدم ليلة مزدلفة
الرخصة في جواز التقدم من مزدلفة وردت للضعفة دفعًا لمضرة الزحام عنهم، ولذلك فإن كل من كان يضره الزحام فإن له التقدم من مزدلفة قبل زحمة الناس وحطمتهم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا (2) .
ولا يخفى أن التضرر بالزحام في هذه الأزمنة لا يقتصر على النساء والصبيان وكبار السن فحسب، بل يمتد إلى كثير من الأصحاء والأقوياء، وذلك بسب الزيادة المطردة غير المسبوقة في أعداد الحجاج، وغير خاف أن ما يحصل من الضرر بالزحام أمر يشق على أكثر الناس، سواء في ذلك زحمة السير من مزدلفة إلى منى، أو زحمة طرق الوصول إلى رمي الجمرة، أو زحمة الرمي، وهذا سبب يستوجب التخفيف.
(1) …تبيين الحقائق (2/61) .
(2) …ينظر في هذه القاعدة: أصول السرخسي (2/178) ، إعلام الموقعين (4/105) ، قواطع الأدلة في الأصول (2/ 152) .