والذي يظهر لي أن القول بجواز الرمي قبل الزوال قول قوي من حيث النظر، فليس مع من قال بعدم الجواز حجة بينة واضحة تمنع الرمي قبل الزوال، لاسيما والحاجة داعية إلى القول بالجواز خصوصًا في يوم النفر الأول، وهو ثاني أيام التشريق، لشدة الزحام وعظيم الضرر الحاصل من جراء تدافع الناس واجتماعهم لتحين وقت الرمي كما لا يخفى. فلا يخلو عام من الأعوام تقريبًا من وقوع وفيات وإصابات بسبب هذا الاكتظاظ والتزاحم عند رمي الجمار يوم الثاني عشر من ذي الحجة. وقد تقدم ترخيص بعض الفقهاء في الرمي قبل الزوال يوم النفر الأول لحاجة الوصول إلى مكة نهارًا، وهي حاجة لا تذكر إزاء ما يلحق الناس اليوم من العناء والتعب والمشقة الشديدة في رمي الجمار يوم الثاني عشر من ذي الحجة. بل إن ابن عمر روى حديث تحين الزوال للرمي لما سأله وبرة: متى أرمي الجمار؟ كما في صحيح البخاري (1) قال: إذا رمى إمامك. فلم يقل له: ارم بعد الزوال، بل رده إلى فعل إمامه، وهذا يشعر بأن في وقت الرمي سعة يراعى فيه تحصيل المصلحة ودفع المضرة.
وقد قال الحافظ ابن حجر في قول: إذا رمى إمامك فارمه: (( يعني الأمير الذي على الحج، وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضرر ) ) (2) .
ولا ريب أن حفظ النفس من مقاصد الشريعة وكلياتها، فحفظ النفس ودفع الضرر عنها أولى بالاعتبار، والنظر من العمل بقول أقوى أدلته إيمات وإشارات، والله أعلم.
الأمر الثاني: أثر الزحام في وقت انتهاء الرمي أيام التشريق
أجمع أهل العلم على أن من رمى الجمار في كل يوم من أيام التشريق قبل غروب الشمس فقد رمى في الوقت (3) .
واتفقوا أيضًا على أنه من أخر الرمي حتى تغرب شمس يوم الثالث عشر فقد فاته الرمي، ولا سبيل له إلى الرمي أبدًا (4)
(1) …كتاب الحج، باب رمي الجمار، رقم (1746) .
(2) …فتح الباري ( 3/580) .
(3) التمهيد (17/254) .
(4) التمهيد (17/255) .
…ويشكل على هذا الإجماع ما ذكره ابن قدامة في المغني 5/380: (( حكي عن عطاء فيمن رمى جمرة العقبة, ثم خرج إلى إبله في ليلة أربع عشرة, ثم رمى قبل طلوع الفجر, فإن لم يرم أهرق دمًا ) ). …