الصفحة 9 من 20

بمجالسة من يستحيا منه». وهذا الكلام بديع المعنى بعيد الفقه؛ حيث إن كثرة مجالسة من لا يستحيا منه، لوضاعته أو حقارته أو قلة قدره ومروءته- تخلق في النفس نوعًا من التجانس معهم، ثم إن قلة قدرهم عنده تجعله لا يستحيي منهم فيصنع ما يشاء بحضرة هذه الجماعة؛ فتضعف عنده خصلة الحياء شيئًا فشيئًا فيتعود أن يصنع ما يشاء أمام الناس جميعًا.

أما مجالسة من يستحيا منهم لصلاحهم وعلو قدرهم: فإنها تحيي في القلب الحياء، فيظل الإنسان يراقب أفعاله وأقواله قبل صدورها حياء ممن يجالسه، فيكون هذا خُلقًا له ملازمًا فتتعود نفسه إتيان الخصال المحمودة ومجانبة وكراهية الخصال المذمومة.

الحاصل: أن مجالسة الأخيار تقوي الحياء المكتسب وتنميه، أما مجالسة الأرذال فإنها تحول بين العبد وبين اكتساب الحياء.

1 -الحياء من الله.

2 -الحياء من الملائكة.

3 -الحياء من الناس.

4 -الحياء من النفس.

1 -الحياء من الله: قال الله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] ، وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91] .

فتجرؤ العبد على المعاصي واستخفافه بالأوامر والنواهي الشرعية يدل على عدم إجلاله لربه وعدم مراقبته له.

فالحياء من الله يكون باتباع الأوامر واجتناب النواهي. وفي الحديث الذي رواه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء» . قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحي والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكن من استحى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» [1] .

معنى الحديث: «استحيوا من الله حق الحياء» أي استحيوا من الله قدر استطاعتكم؛ لأنه من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بكل ما عليه تامًا كاملًا، ولكن كل على حسب طاقته ووسعه، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

(قال: قلنا: إنا نستحي والحمد لله) أجابوا بذلك لأنهم قصدوا أنهم يفعلون كل مليح ويتركون كل قبيح على حسب استطاعتهم، فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ليس المقصود هذا العموم؛ لأن هناك شروطا للحياء حق الحياء فليس الأمر كما يظنون ولكن حقيقة ذلك:

1 - «أن يحفظ الرأس وما وعى» : أي ما جمع من الأعضاء: العقل والبصر والسمع واللسان؛ قال الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (( (( } [2] فينبغي عليه أن يستعملها فيما يرضي الله تعالى؛ لأنها نِعَم عظيمة من الله اجتمعت له فميزه عن غيره من المخلوقات؛ فمن اللؤم والوقاحة أن يتقوى العبد بنعم ربِّه على معصيته، وأن يستعمل

(1) مسند الإمام أحمد (1/ 640) ، والترمذي (6/ 311) .

(2) الإسراء: (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت