الصفحة 7 من 24

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك المشرُبة [1] التي اعتزل فيها نساءه حين آلى [2] منهن، فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، فقال عمر: يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسّع على فارس والروم، وهم لا يعبدونه، فاستوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا، فقال: «أوَ في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» [3] .

وهكذا كان - عليه الصلاة والسلام - أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها كما تقدم، وإذا حصل له شيء منها أنفقه هنا وهناك في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا.

ولقد تمثل الصحب الكرام والسلف الصالحون ما تمثله رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فزهدوا في الدنيا، وتطلعوا إلى الآخرة، وباعوا أنفسهم. فقد كان عمر - رضي الله عنه - يوقظ أهل داره لصلاة الليل، ويصلي وهو يتمثل بهذه الآية: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131] .

وكان الواحد منهم إذا أحسَّ أن في قلبه تعلقًا باليسير من الدنيا تأثر وأجهش بالبكاء.

فهذا عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة أُتى ذات يوم - كما ثبت في صحيح البخاري - بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فلم نجد ما نكفنه فيه إلا بردة، إن غُطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غُطي بها رجلاه بدا

(1) أي الغُرفة العالية.

(2) أي أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرًا.

(3) رواه البخاري والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت