الصفحة 8 من 24

رأسه، ثم بُسط لنا من الدنيا ما بُسط، أو قال: أعطينا ما أعطينا. قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.

بل هذا عمر - رضي الله عنه - كما يروي عمرو بن شبة في ترجمته أنه زار أبا الدرداء - رضي الله عنه - في ليلة من الليالي، فلما جلس إليه عمر قال أبو الدرداء: يا عمر أتذكر حديثًا حدثناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ليكن زاد أحدكم في الدنيا كزاد الراكب» قال: نعم. فقال: يا أخي، فماذا فعلنا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما زالا يبكيان حتى طلع الفجر!.

وهكذا أدرك أولئك الرجال خطورة الأمر، فشمروا عن ساعد الجد، وأيقنوا أن الحياة الحقيقية، والسعادة الأبدية إنما هي حياة الأبرار هناك. هناك في جنات النعيم.

{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] .

نعم ولأجل أن ينال القوم تلك السعادة الأبدية فقد زهدوا في مُتع الدنيا وكان الأمر الذي يشغل بالهم، ويسيطر على أحاسيسهم ووجدانهم أن ينالوا نعيم الآخرة، ولو أدى بهم ذلك إلى ترك لذة من متاع الدنيا الزائلة ولو كان مباحًا، مما لا يستطيع أحد أن يفارقه إلا إذا كان قلبه معلقًا بالدار الآخرة.

وهذا ما يذكرنا بقصة الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر، فقد كان عروسًا ليلة أحد، فلما سمع النداء، عجل بالخروج ولم يغتسل وقاتل حتى استشهد! وعندما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن صاحبكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت