وهو صحيح الإسناد. وعن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا، عنه - صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [1] . وعن أبي هريرة: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعلم به أو تكلم به» [2] .
ولكن الإسلام بعد هذا التكريم كله وذلك الاهتمام قد حدد للعقل مجالاته التي يخوض فيها حتى لا يضل. فأمر الإسلام العقل بالاستسلام والامتثال للأمر الشرعي الصريح حتى ولو لم يدرك الحكمة والسبب في ذلك وقد كانت أول معصية لله ارتكبت بسبب عدم هذا الامتثال، فحينما أمر الله سبحانه وتعالى إبليس بالسجود لآدم عليه السلام استكبر وعصى واستبد برأيه فقارن بين خلقه وخلق آدم عليه السلام: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [3] ، فلم يمتثل للأمر طلبا للسبب الذي يسجد لأجله الفاضل للمفضول حسب رأيه فلما لم يدرك عقله السبب رفض الامتثال فكانت المعصية وكانت العقوبة [4] .
يقول الإمام ابن الجوزي: «لقد أنس ببديهة العقل خلق من الأكابر أولهم إبليس، فإنه رأى تفضيل النار على الطين فاعترض. ورأينا خلقا ممن ينسب إلى العلم قد زلوا في هذا واعترضوا، ورأوا أن كثيرا من الأفعال لا حكمة تحتها. والسبب هو الأنس بنظر العقل في البديهة والعادات، والقياس على فعال المخلوقين» [5] .
لذا منع الإسلام العقل من الخوض فيما لا يدركه ولا يكون في متناول إدراكه كالذات الإلهية والأرواح في ماهيتها ونحو ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله» [6] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل: آمنت بالله ورسله» [7] .
وعن الروح قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [8] ، فصرف الجواب من ماهيتها لأنه ليس من شئون العقل السؤال عنها ولا من مداركه، وكذلك الجنة ونعيمها والنار وجحيمها وكيفية ذلك وغيرها من الغيبيات التي ليست في متناول العقل ومداركه.
وعلى هذا مضى المسلمون في العصر الأول من الإسلام عرفوا ما للعقل فدرسوه وحفظوه وما ليس له فاجتنبوه [9] .
ولقد وظف المسلمون العقل أحسن توظيف وشادوا حضارة باسقة البنيان شاقهة الذرى، عمروا الدنيا والآخرة أجمل عمارة، استخدموا عقولهم في إبداع العلوم، وتأسيس أصول الاجتهاد، وتفريع
(1) رواه ابن ماجه بسند صحيح.
(2) رواه البخاري، وانظر العقلانية هداية أم غواية ص 14 لبعد السلام بسيوني.
(3) الأعراف (12) .
(4) منهج المدرسة العقلية في التفسير ص (38) .
(5) صيد الخاطر ص 419.
(6) رواه الطبري وحسنه الألباني «صحيح الجامع الصغير رقم 2975» .
(7) رواه البخاري ومسلم.
(8) الإسراء (85) .
(9) منهج المدرسة العقلية في التفسير ص (38 - 39) .