ويدعو إليه. ولأولئك نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد ذم المنافقين الذين فضلوا البقاء في الأوطان على الخروج منها للجهاد في سبيل الله فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [1] .
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحب مكة، ولكنه قدم الهجرة فرارًا بدينه على حب وطنه، وكذلك فعل صحابته الكرام، وهكذا يكون حب الوطن والولاء له ليس حبًّا مطلقًا ولا ولاءً محررًا من كل قيد، كما يريد أولئك الأدعياء. وأقول بصدق: إن الذي يزعم حب الوطن حبًّا مجردًا من مبادئ الإسلام وضوابطه كاذب في زعمه خائن لوطنه وأمته، وهو أول من ينسحب في معركة الذب عنه والدفاع عن حرماته، وما قصة المنافقين في «أحد» إلا برهان قوي للرد على هؤلاء، وفي «الأحزاب» خير دليل على حقيقة مواقفهم: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [2] .
فرية الدين لله والوطن للجميع:
(1) سورة النساء الآية (66) .
(2) سورة الأحزاب: 13 - 15.