(( بَدأ الغُلامُ المُهاجِرُ مِن البانية دِراسَتَهُ في الشامِ، وأول ما بَدأ بِدُخُولِ مَدرسةِ الإسعافِ الخيريَّةِ الابتدائيةِ بِدِمشق، وَكانَ مَقرُّها بِجِوارِ البناءِ الأثريِّ بِقصرِ العظم في حيِّ البزوريَّةِ، واستمرَّ على ذلكَ حَتَّى أشرفَ على نِهايَةِ المرحَلةِ الابتدائيةِ، وفي هذهِ الأثناءِ هَبَّت أعاصيرُ الثَّورة السُّوريَّةِ بالفَرنسيينَ الغُزاةِ، وأصابَ المدرَسَةَ حَريقٌ أتى عَلَيها، فانتقلوا عَنها إلى مَدرَسةٍ أخرى بِسوقِ ساروجه وَهُناكَ أنهى الشيخُ دِراسَتَهُ الأولى.
وَنَظرًا لِسُوءِ رأيِ والدِهِ في المدارِسِ النِّظاميَّةِ مِن النَّاحيةِ الدِّينيَّةِ، فَقَدْ قَرَّرَ عَدمَ إكمالِ دِراستِهِ، وَوَضَعَ لهُ بَرنامجًا عِلميًَّا مُركزًا قَامَ مِن خِلالِهِ بِتَعليمِهِ القرآنَ والتجويدَ والصرفَ وَفِقهَ مَذهبِهِ الحنفيِّ.
كَما انَّهُ تَلقَّى بَعضَ العُلومِ الدينيَّةِ والعربيَّةِ عَلى بَعضِ الشيوخِ مِن أصدقاءِ والدِهِ مِثل الشيخِ سَعيدِ البُرهانيِّ إذْ قَرأَ عَليهِ كِتابَ (مراقي الفلاح) وَبَعضَ الكُتُبِ الحديثيَّةِ في عُلومِ البَلاغةِ.
أخَذَ الشيخُ إجازةً في الحديثِ مِن الشيخِ راغبِ الطباخِ، عَلَّامَة حَلب في زَمانِهِ، وَذلك إثرَ مُقابلةٍ لَهُ بِواسطةِ الأستاذِ مُحمَّد المُباركِ الذي ذَكَرَ للشيخِ الطبَّاخِ مَا يعرِفُهُ مِن إقبالِ الفتى عَلى عُلومِ الحديثِ وَتَفوُّقِهِ فِيها، فَلَمَّا استوثَقَ مِن ذلك خصَّهُ بإجازتِهِ تَقديرًا واعترافًا )) [1] .
ثالثا: تَوجُّههُ إلى علمِ الحديثِ واهتمامُهُ بِهِ:
تَوجَّه الفتى إلى عِلمِ الحديثِ في نَحوِ العشرينَ مِن عُمُرِهِ، حَيثَ انَّه تأثَّرَ بِمَجلَّة المنارِ التي كَانَ يُصدِرها الشيخُ مُحمَّد رَشيد رضا -رحمه الله-.
وَقد لاحَظَ ذَاتَ يَومٍ وَهُوَ يَتَجوَّلُ في المكتباتِ جُزءا مِن مَجلَّةِ المنارِ فاطَّلعَ فِيهِ على بَحثٍ بِقلمِ السيِّدِ مُحمَّد رَشيد رضا يَصِفُ فِيهِ كِتابَ الإحياءِ للغزاليِّ، وَيُشيرُ إلى مَحاسِنِهِ وَمآخِذِهِ، فَدَفَعَهُ ذلك النقدُ العلميُّ إلى مُطالَعَةِ الجزءِ كُلِّهِ، فَاستهواهُ ذلك التخريجُ الدَّقيقُ حَتى صَمَّمَ على نَسْخِهِ.
(1) حياة الألباني 45 - 46.