الصفحة 71 من 183

البَديعَ الدقيقَ الذي يَسيرُ بِهِ الكونُ أجمع، عَلِمَ بأنَّ لَهُ مُوجِدًا لَهُ، وَمُدبِّرًا لشؤونِهِ، ولقد أحسنَ القائِلُ:

تأمَّل في نباتِ الأرضِ وانظُر ... إلى آثارِ ما صَنَعَ المليكُ

عُيونٌ من لُجَيْنٍ شاخصاتٌ ... بأحداقٍ هي الذهبُ السبيكُ

على قَضَبِ الزُّبُرْجُدِ شاهداتٍ ... بأنَّ الله ليسَ لَهُ شَريكُ

بيانُ أنَّ الإقرارَ بهذا التوحيدِ وَحدَهُ

لا يَكفي للنَّجاةِ مِن النَّار

تبيَّن مما سَبَقَ بأنَّ توحيدَ الربوبيَّةِ هو احدُ أقسامِ التَّوحيدِ الثلاثَةِ، ولذا فانَّهُ لا يَصحُّ إيمانُ العبدِ ولا يَتَحقَّقُ تَوحيدُهُ إلا إذا وَحَّد الله في رُبوبيتِهِ، ولكنَّ هذا النَّوع من التوحيدِ لَيسَ هو الغايَةُ التي من أجلِها بَعَثَ الله الرُسُلَ وانزَلَ الكُتُبَ، ولا يَكفي هذا النوعُ من التوحيدِ للنَّجاةِ مِن النَّارِ إلا إذا حَقَّقَ العبدُ النَّوعَ الآخَرَ من التوحيدِ وَهو: تَوحيدُ الألوهيَّةِ.

والبُرهانُ على ذلك هو قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) } [يوسف: 106] ، ومعنى الآيةِ: ما يُقِرُّ أكثرُهُم بالله ربَّا وخالِقًا ورازقًا ومدبرًا - وهذا من توحيدِ الربوبيَّةِ - إلا وهُم يُشرِكونَ معه غيرَهُ في عبادتِهِ مِن الأوثانِ التي يعبُدونَها وهي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ولا تُعطي ولا تَمنَعُ.

قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنه - في تفسيرِ هذهِ الآيةِ: (( مِن إيمانِهِم أنَّهم إذا قيلَ لَهُم من خَلقَ السمواتِ ومَن خَلقَ الأرضَ وَمَن خَلقَ الجبالَ قالوا الله، وهُم مُشرِكونَ بِهِ ) ) [1] .

وقالَ عِكرِمةُ: (( مِن إيمانِهِم إذا قِيلَ لَهُم من خَلَقَ السماواتِ قالوا الله وإذا سُئِلوا من خَلَقَهُم قالوا الله وهُم يُشرِكُونَ بِهِ بَعدُ ) ) [2] .

(1) تفسير الطبري 13/ 77.

(2) المصدر نفسه 13/ 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت