(85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) [المؤمنون: 84 - 89] ، فَلَم يكُن المشركونَ يَعتقِدونَ أنَّ هذهِ الأصنامَ التي يَعبُدُونَها هي التي تخلُقُهُم وَتَرزُقُهُم وتُنزِلُ الغَيثَ وتُدبِّرُ شؤونَ العالَمِ، بل كانوا مقرِّينَ ومُعترفينَ بأنَّ ذلك من خَصائِصِ الربِّ جلَّ جلالُهُ، ولكنَّهم اتَّخذوا هذهِ الأوثانَ وسائطَ - بزعمِهِم - ويدعونَها لتُقرِّبَهُم إلى الله زُلفى، كما قالَ الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] ، أي: ليشفَعوا لَهُم عِندَ الله فيما يَطلُبُونَ وَيَبتغُونَ مِن الحوائِجِ.
وَمَعَ ذلكَ فإنَّ هذا الإقرارَ بربوبيَّةِ الله عزَّ وجلَّ لم يَنفِعِ المشركينَ وَلَم يَعصِم دِمائَهُم وأموالَهُم لأنَّهم لم يُحقِّقوا النَّوعَ الثاني من التوحيدِ وهوَ: توحيدُ الألوهيَّةِ.
قال شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة مُقرِّرًا هذا الأمرَ: (( ومثلُ هذه العبوديَّةِ لا تُفرِّقُ بين أهلِ الجنَّةِ والنَّارِ ولا يَصيرُ بها الرجلُ مُؤمِنًا كَما قَالَ تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106) } [يوسف: 106] ، فإنَّ المشركينَ كانوا يُقرُّونَ أنَّ الله خالقُهُم ورازِقُهُم وَهُم يعبُدونَََََ غَيرَهُ قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] وقال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} إلى قوله: قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: 84 - 89] )) [1] .
(1) مجموع الفتاوى 10/ 156.