الصفحة 1 من 291

التطور والثبات

في حياة البشرية

محمد قطب

هذا العصر هو عصر التطور ..

كل شيء فيه يتطور ..

الأفكار والعقائد .. القيم والمفاهيم .. والآخلاق والتقاليد .. الصور المادية للحياة .. المسكن والملبس والمأكل .. وسائل المواصلات ووسائل الإعلام .. الحرب والسلم .. الآلة .. الإنسان!

ولا يمر يوم ولا تمر ساعة .. بل لا تمر لحظة لا يذكر فيها لفظ التطور من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض .. في الغرب"المتحضر"والشرق"المتأخر".. في كل مكان!

ولا يوجد شيء واحد ولا عمل واحد ولا مفهوم واحد لا تدخل فيه فكرة التطور .. ولا يتصور الناس شيئا في الحياة كلها إلا من خلال فكرة التطور التي تشمل كل شيء وكل كيان!

وحين تستولي فكرة التطور على أفهام الناس بهذه الصورة، فلا بد أن يصطدم تفكيرهم بالدين! فالدين - في حس البشرية - يمثل الثبات. ثبات الإله. وثبات العقيدة. وثبات القيم. وثبات المفاهيم. وثبات التقاليد. وثبات الحياة.

وما دام الدين في حس البشرية يمثل هذا الثبات كله، فلا بد أن يصطدم في حسها بمفهوم التطور الشامل، الذي لا يطيق تصور الثبات في أي شيء على الإطلاق، ولو كان فكرة الله أو فكرة الدين.

وفي الغرب اصطدمت بالفعل فكرة التطور بمفهوم الدين. وقام بينهما صراع عنيف منذ"عصر النهضة"الذي قام على أساس لا ديني. وانتهى الصراع بتنحية الدين عن الحياة العملية. وعن الاقتصاد والاجتماع والسياسة. وعن العلم والفن .. ولم يبق له إلا ركن ضئيل في حياة الأفراد .. يشبعون ميلهم الشخصي إليه بالذهاب إلى الكنيسة، أو اتباع بعض تعاليم الدين في السلوك الشخصي، بينما الحياة الواقعية كلها تحكمها المفاهيم المضادة لفكرة الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت