الصفحة 63 من 291

النظرة إلى"الإنسان"قد تقلبت مرات عدة من أقصى الشمال إلى أقصى اليمين بصورة لم يسبق لها مثيل: من تقديس فرديته إلى الحد الذي يكاد يلغي المجتمع إلى جواره ، إلى تقديسه في صورة الجماعة إلى الحد الذي يكاد يلغي شخصيته الفردية ويعتبره مجرد فرد في القطيع . من"إنسان"رفيع المنزلة يعتبر مركز الكون ، إلى حيوان أو ناجم من حيوان .. لا مزية له على غيره من الأحياء إلا أنه في طور السيادة في الوقت الحاضر ، وقبله كانت أنواع من الحيوان هي السيدة على ظهر الأرض ! ثم من إنسان عابد لغيره: لله أو الطبيعة أو أي شيء آخر ، إلى إنسان متأله لا يريج أن يعبد إلا ذاته في القرن العشرين !

والعلم قد خطا خطوات جبارة لا مثيل لها في التاريخ كله .. فجّر الذرة وأطلق الصاروخ .. وسخر للإنسان كثيرًا من قوى الأرض والكون .. ويسّر الحياة المادية أيما تيسير .. وحمل عن الناس الجهد البدني الذي كان يشقيهم من قبل ويعنتهم ، فحمّله للآلة ، وانطلق الإنسان خفيفًا مذخور الطاقات !

"صورة"الحياة كلها قد تغيرت من الألف إلى الياء ..

ولكن .."الإنسان"هل تغير ؟!

ألوان نشاطه .. ودلالة مناشطه وأعماله ؟ هل تغيرت ؟!

هل صار - في انحرافاته واعتدالاته - شيئًا آخر غير"الإنسان"؟ الإنسان الذي عاش - مثلا - قبل ألفين من السنين ؟!

هل صارت دلالات أعماله بالنسبة إليه - في انحرافاته واعتدالاته - شيئًا آخر غير ما كان من الدلالات ؟!

تلك شهادة التاريخ ..

فلنتدبرها ..

إنها تروي لنا أشياء خطيرة .. عن الثابت والمتطور في كيان الإنسان .

الثابت والمتطوّر في كيان الإنسانْ

هل وعينا شهادة التاريخ ؟

هل استخرجنا منها كل دلالتها ؟

إن دلالتها لا تقف عند حد هذا التشابه العجيب بين فترتين من فترات التاريخ يفصل بينهما عشرون قرنا من الزمان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت