الصفحة 242 من 291

ذلك موقف الإسلام من الطغيان من قبل .. وهو موقفه منه حتى اليوم . الطغيان في أية صورة من صوره رجعية ترجع بالبشرية إلى ما قبل الرشد .. الذي يحدده في تاريخ البشرية مولد الإسلام . وقد جاء الإسلام ليصحح وضع البشرية من هذا الطغيان ..

أما الطغيان الجماعي الذي تمثله اليوم الشيوعية - آخر"تطور"في عالم الاقتصاد والاجتماع - فهو صورة جديدة . نعم . أما الجوهر ؟

هذا الطغيان الذي يذيب كيان الفرد . ويجعله مجرد واحد من القطيع .. يتبعه أن يسير .. لا رأي له في تقويمه ، ولا الإشراف عليه ، ولا له كيان متميز يحس بذاته في وقت من الأوقات .. هل يختلف من حيث الجوهر عن طغيان"القبيلة"قبل الإسلام ، ذلك الطغيان الذي أنطق الشاعر الجاهلي بهذا البيت:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت .. غويت وإن ترشد غزية أرشد ؟!

ثم جاء الإسلام .. جاء ليرد"للفرد الإنساني"كيانه إزاء طغيان المجموع . بأن جعله - وهو الفرد - قوة هائلة حين يتصل بالله ، ويعبده حق عبادته ، ويستلهم هداه . قوة توجه المجتمع إلى الصلاح وتصده عن الفساد ."وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (1) وتوجه الحاكم إذا اعوج ، وتُشَاوَر في شأن الحكم وسياسة المجتمع .. ومن ثم يرفع عنها العبودية للمجموع .

وهذا الطغيان الجماعي الجديد الذي تمارسه الدول الجماعية ، لا يزيد على أن يكون رجعية من تلك الرجعيات التي جاء الإسلام ليصححها ويقومها . وما زال موقفه منها اليوم كموقفه منها يوم جاء !

إن الإسلام ينصب الميزان الحق بين الفرد والمجتمع . لا هذا يطغى ولا ذاك . ويستمد ميزانه من الحقيقة الثابتة:"خلقكم من نفس واحدة"..

وبذلك يقوّم الرجعيات .

(1) سورة آل عمران [ 104 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت