الصفحة 264 من 291

و"التنظيم"بكل أنواعه أخذ المسلمون أشكاله وأجهزته من الحضارات السابقة في ظل المبادئ الإسلامية الثابتة ، ومزجوه بروح الإسلام وأضافوا إليه ، فلم تقم العداوة بينه وبين الدين . بل كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب هو الذي سارع - بروحه المسلم المتمكن في الإسلام - إلى"تدوين الدواوين".

فالوهم الباطل الذي خيل للغرب أن التقدم العلمي والتنظيم الحضاري هما حصيلة الفصل بين الدين والحياة العملية .. وَهْمٌ أنشأته ملابسات خاصة هناك ، وليس حقيقة بشرية !

ولكنه كان أخطر ما جنت به الحضارة الغربية على أجيال البشرية !

لقد أنشأ مسخا مشوها في مكان"الإنسان"!

مسخا نمت فيه الجوانب الفكرية والجوانب المادية إلى أقصى حد .. وضمرت فيه الجوانب الروحية إلى أقصى حد .. فصار كريها منفرًا مخيفا .. ينذر بالضياع والدمار !

هذا المسخ المشوه قد أغلق على نفسه نوافذ المعرفة كلها إلا ما يدخل من نافذة"الذهن"ونافذة"الحس". وألغى ما يدخل من نافذة"الروح".

والإنسان - إذا شبهناه مؤقتا بمعمل هائل دقيق التركيب - لا بد أن تدخل الأضواء إلى ظلماته من جميع النوافذ في آن واحد .. ليستطيع أن يقوم"بالتمثيل الضوئي"الخاص به على طريقة الإنسان ! وكل خلل يصيب جهازا من أجهزته ، أو كل نقص يصيب"الضوء"النافذ إلى ظلماته ، يجعل الحصيلة النهائية ناقصة ، وقد يجعلها تنتج مركبات خطرة .. سامة .. مدمرة لكيان الإنسان !

وهذا المسخ المشوه الذي لا يؤمن إلا بما تدركه الحواس ويدركه الذهن . يصاب - أول ما يصاب - بالعمى النوعي . فلا يبصر أمامه إلا جانبا من الشاشة . جانبًا من الحياة . وبقية الشاشة في نظره مظلم .. أو لا وجود له على الإطلاق .

وتأثير ذلك في إدراكه وفي سلوكه خطر وشديد الخطورة !

فهو يدرك الأشياء ناقصة ، وتتكون في حسه الصورة مشوهة .. ثم يسير في حياته على هدى هذه الصورة المشوهة ، فإذا كل خطوة اضطراب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت