ولا نحتاج هنا أن نعيد كل شهادة القرن العشرين .. وإنما نحتاج أن نشخصها لنعرف علاجها .
فحين تعمى روح الإنسان عن حقيقة الحياة والكون ، ولا نرى منها إلا الجانب الظاهر للحس .. يختل التوازن في داخل كيان الإنسان كما يختل مسار الكوكب لو حجبت عنه فجأة بعض عناصر الجاذبية وترك لبعضها الآخر ! وقد اختل بالفعل توازن الإنسان في هذا العصر ، فجذبته الأرض بكل عنفها ، حين انقطع عن جاذبية السماء !
نشاط الروح .. في اتصالها بخالقها ، واستمدادها النور منه ، والاتصال بروح الكون اتصال المحبة والتفاهم والتعاون ، والاتصال بروح البشرية على إخاء . هذا النشاط لم يودعه الخالق كيان الإنسان اعتباطا ، تعالى الله عن العبث وعدم القصد:"وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ" (1) "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا"؟! (2) . وإنما أودعه كيان الإنسان ليعادل به جواذب الأرض وهواتفها ، وهي عنيفة شديدة تحتاج دائمًا إلى ما يوازنها ويعادلها .
فلما حدث"الفصام النكد"في الغرب بين الإنسان والله . بين الدين والحياة .. انكفأ الإنسان على وجهه يهيم في الأرض .. باحثا عن اللذة والمتعة والقوة .. بلا هدى يعصمه من السعار .
والسعار المحموم الذي يغشى المدنية الغربية اليوم هو النتيجة الحتمية لذلك الفصام .
إنه ليس انحرافا عن أصول الحضارة الغربية .. إنما هو الحضارة الغربية ذاتها في ذروة اللمعان ! إنه لا يمكن أن يُتقى .. ما دام الأساس ذلك الأساس !
و"الطيبون"الذين يظنون أنهم يستطيعون أن يأخذوا الحضارة الغربية - على أصولها الغربية - ثم يحولوا دون انحرفاتها ..أو يمتنعوا عن أضرارها .. هم"طيبون"جدًا .. مضَّللون جدًا .. لأنهم يتخيلون شيئًا لا يمكن أن يحدث .. شيئًا ضد طبائع الأشياء !
(1) سورة الدخان [ 38 ] .
(2) سورة المؤمنون [ 115 ] .