ولسنا نبني تفاؤلنا - بطريقة صبيانية - على التقدم العلمي الجبار الذي سييسر الحياة في المستقبل ، وسيصنع الأعاجيب ! ولا على دعاوى"الإنسان"في السيادة على البيئة والتحكم في الظروف والتحرر من العجز والتحرر من القيود .. إلى آخر هذه الدعاوى الفارغة التي يرددها كتاب الغرب المفتونون وتلاميذهم في الشرق ، الذين يحسبون أنفسهم من"الرواد"حين يلوكون هذه الأقاويل .. فقد رأينا من شهادة ألكسيس كاريل أن التقدم العلمي ذاته - على خطوطه الحالية - هو الذي سيسرع بالناس إلى العودة للبربرية والهمجية ، وأن تحكم الإنسان في البيئة وسيادته عليها - بتصوراته الحالية - هو ذاته الذي يجعله ينشئ حضارة لا تلائمه ، وتؤدي به إلى الدمار !
وإنما نبني تفاؤلنا على الواقع السيئ الذي تعيشه البشرية اليوم في ظل الحضارة الغربية ! والذي يأخذ طريقه إلى الازدياد !
فهذا الواقع السيئ هو الذي سيهدي البشرية إلى الصواب !
لم يعد لدى حضارة الغرب رصيد طيب تعطيه .. !
إن التقدم العلمي هو الرصيد الوحيد الذي سيسلمه الغرب للبشرية .. وهو من الأصل رصيد البشرية كلها على مدار الأجيال .. بدأه المصريون القدماء والإغريق والهنود .. وأخذه المسلمون منهم وأضافوا إليه .. وسلموه لأوربا ففتحت فيه فتوحًا واسعة .. وستسلمه أوربا غدًا لمن يحمل الراية في المستقبل .. دورة دائمة تتداولها الأجيال .
ولكن الغرب - فيما عدا هذا - لا يملك الكثير !
هناك فضائل نفسيه واجتماعية وتنظيمية ما زال يحملها الغرب ولا شك .. هي التي تحفظ كيانه إلى هذه اللحظة أمام هذا السيل الجارف من المدمرات .. في الفوضى الجنسية والخلقية ، والإلحاد ، وتفكيك روابط الأسرة والمجتمع ، الانفلات من كل القيم وكل المعنويات .