الصفحة 30 من 291

وليس هنا المجال - ولا هو من همي في أي بحث - أن أناقش نظرية دارون .. وإنما أنا دائمًا أناقش إيحاءاتها ، وليست هذه الإيحاءات نظرية علمية ! ثم إني أكتفي في مناقشتها دائمًا بإيراد الداروينية الحديثة Neo Darwinism التي تؤمن بالتطور كدارون ، ولكنها مع ذلك لا تؤمن بحيوانية الإنسان ولا ماديته الكاملة ، إنما تؤمن بتفرد الإنسان ، تفرده بيولوجيا وسيكلوجيا ، وتفرده كذلك في طريقة تطوره ، فهو يتطور على قاعدته الإنسانية الخاصة ، لا على قاعدة الحيوان .

وسنورد هذه المناقشة في مكان آخر ، حين نحتاج إلى مناقشة الأراء ... وإنما نحن هنا نثبت وقائع التاريخ .

كانت نظرية دارون ذات إيحاء قوي بحيوانية الإنسان لا شك فيه . يقول جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World"- وهو من علماء الداروينية الحديثة -:"وبعد نظرية دارون لم يعد الإنسان يستطيع تجنب اعتبار نفسه حيوانًا" (1) .

وهذا الإيحاء هو الذي مده العلماء الثلاثة ووسعوه على أوسع نطاق ...

وهنا يخطر - من أجل الحقيقة التاريخية - سؤال: هل كان في الإمكان حبس نظرية دارون في المعمل الذي نشأت فيه ، وحجزها عن التأثير في المجتمع الغربي والفكر البشري كله ؟

ربما كان هذا مستحيلا في نظرية من هذا النوع ، وفي ظروف كالتي ولدت فيها تلك النظرية الخطيرة ..

ومع ذلك فلم يكن حتما أن تتجه هذا الاتجاه في التأثير ، لو تلقفتها أيدٍ أخرى ، مخلصة للحقيقة ، مؤمنة بالله ، أو في القليل مقدرة"للإنسان"والخير الإنساني .

إن الفكر الغربي الذي كان يعيش في ظل فكرة الثبات المطلق ، قد فوجئ مفاجأة عنيفة بفكرة التطور ، فأفقدته الهزة صوابه ، وصار عرضه للانحراف .. ولكن لم يكن حتما أن ينحرف .. كان يمكن أن يرتد إلى الصواب حين يجد الهداة الذين يردونه إلى الصواب .

(1) ترجمة حسن خطاب ومراجعة عبد الحليم منتصر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت