ومن هنا كانت الفتنة التي تعرض لها المجتمع الغربي كأعنف ما تكون الفتنة .. والتي يعيش في نتائجها منذ ذلك الحين !
لقد كانت العوامل كلها موجودة بالفعل لتؤدي لذلك الانحراف الخطير .. وكانت - في ذاتها - عوامل عنيفة ، اجتماعية واقتصادية وفكرية .. متمثلة في نظرية دارون من ناحية ، والانقلاب الصناعي من ناحية أخرى .. ومع ذلك فلم يكن من الحتم أن تصل هذه العوامل إلى تحطيم الدين وتحطيم الأخلاق .
لقد ابتعد الناس عن الدين مرات كثيرة في حياة البشرية لأسباب اجتماعية واقتصادية وفكرية . وانحرفوا مرات كثيرة عن الأخلاق وانغمسوا في الشهوات .. وكانوا في كل مرة يعودون .
ولكنهم في هذه المرة أبعدوا في الضلال جدًا ، وكأنما قرروا بينهم وبين أنفسهم ألا يعودوا بعد ذلك أبدًا مهما فعل الفاعلون !
ذلك أنهم - في كل مرة سابقة - كانوا ينحرفون كمزاج شخصي ، لا يجد سندا في النهاية حين يشتد ويعم المجتمع كله أكثر من سند"الأمر الواقع". ولكنه انحراف . وانحراف مرذول .
أما في هذه المرة فقد قدم لهم"العلماء"السند العلمي للضلال المنحرف ، فزين لهم فرأوا أنه الحق ، وأنه الصواب ، وأنه الأمر الذي ينبغي اتباعه ، لا تمشيا مع الأمر الواقع ، وإنما سعيا إلى الأفضل والأقوم والأصح !
قدموا لهم الفرملة التي تمنع العودة ، وتسمح فقط بالمضي المجنون في طريق الشيطان .
اتخذ اليهود الثلاثة نواحي مختلفة من الفكر . فكتب ماركس في الاقتصاد وفرويد في علم النفس ، ودركايم في علم الاجتماع ... ولكنهم في النهاية يلتقون في عدة أمور .
لقد أخذوا كلهم ، بادئ ذي بدء ، من النظرية الداروينية فكرة حيوانية الإنسان وماديته ، فمدوها ووسعوا نطاقها ، وعمموا إيحاءاتها المسمومة في كل اتجاه .