الصفحة 46 من 291

ولن نناقش هنا دركايم ! لن نناقش أسطورة"العقل الجمعي"القائم خارج نطاق الأفراد ، والمخالف لكيان الأفراد ، والذي يقهرهم من الخارج على غير رغبة منهم ولا استعداد فطري !

ولكننا نثبت فقط ما حول هذه الأسطورة من الحقائق:

لقد أخذ دركايم كثيرا عن دارون:

أخذ عنه بادئ ذي بدء فكرة التطور الدائم الذي يلغي فكرة الثبات .

وأخذ عنه فكرة"القهر الخارجي"الذي يقهر الفرد على غير رغبة ذاتية منه ، فيطوّره .

وأخذ عنه التفسير الحيواني للإنسان ، فهو لا يفتأ يستشهد في كل حالة بما يحدث في عالم الحيوان:

"أضف إلى ذلك أنه لم يقم قط برهان على أن الميل إلى الاجتماع كان غريزة وراثية وجدت لدى الجنس البشري منذ نشأته . وإنه لمن الطبيعي جدًا أن ننظر إلى هذا الميل على أنه نتيجة للحياة الاجتماعية التي تشربت بها نفوسنا على مر العصور والأحقاب . وذلك لأننا نلاحظ ، في الواقع ، أن الحيوانات تعيش جماعات أو أفرادا تبعًا لطبيعة مساكنها التي توجب عليها الحياة في جماعة أو تصرفها عن هذه الحياة" (1)

"ولكن أليس معنى ذلك أن"كونت"يفسر الماء بالماء ، وأنه يشرح التقدم بوجود ميل فطري يدفع الإنسان إلى التقدم الذي لا يعدو أن يكون سوى فكرة ميتافيزيقية ليس ثمة ما يدل على وجودها بحسب الواقع ؟ وذلك لأن الفصائل الحيوانية - بما في ذلك الفصائل الراقية منها كل الرقي - لا تشعر قط بهذه الحاجة التي تدفعها إلى التقدم" (2) .. الخ .

ولم يقل دارون بطبيعة الحال شيئًا مما قاله دركايم ، ولا كان من شأنه أن يقول . ولكن العالم اليهودي أخذ الإيحاء الحيواني لنظريته ، ومده مَدَّة واسعة فشملت الحياة كلها ، تحت ستار من البحث"العلمي"في علم الاجتماع .

(1) ص 173 .

(2) ص 176 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت