والإنسان يحس بأموره هو كبيرة مفصلة مجسمة ، لأنها أقرب شيء إليه .. ثم يرى مثيلاتها عند شخص آخر - أمامه - فلا يحسها بهذا الكبر والتفصيل والتجسّم ، وإن عطف عليها أو شارك فيها بوجدانه .. ولا يخيل إليه أبدًا أنها تشابه تجربته الشخصية .
بل الإنسان الواحد يحس لحظته الراهنة كبيرة مفصلة مجسمة ، لأنه يعيشها الآن ، فهي قريبة من حسه وشعوره وتفكيره ، فإذا مرت ودخل في غيرها ، تضاءلت في حسه - وهي جزء منه هو ذاته - وصارت - بكل آلامها أو آمالها - أصغر من لحظته الجديدة الراهنة الداخلة في بؤرة الإحساس والتفكير و"المعايشة"..
ومن ثم يرى أهل القرن العشرين أن هذا القرن فريد تفردًا كاملا في كل شيء ، وأنه لا مثيل له في شيء قط على مدار التاريخ ..
ذلك لأنهم يعيشونه .. أما الآخر فتاريخ !
وحقيقة إن القرن العشرين متفرد في كثير من الأمور . فهذه"الصورة"من الحياة ، بكل تفصيلاتها ودقائقها ، لم تعشها البشرية قط من قبل .. لم يكن لديها صواريخ ولا طائرات ولا سفن سريعة ولا قطر ماردة ، ولا إذاعة ولا سينما ولا تليفزيون .. ولا إنتاج آلي ضخم يشمل كل مرافق الحياة ..
ذلك كله صحيح ..
ولكن دلالته غير صحيحة !
دلالته التي يريد الناس أن يستخرجوها منه أنه لا شيء على الإطلاق مما يعيشونه اليوم قد عاشه أي جيل من قبل . وأنه لا شيء مما يحدث اليوم قد حدث في أي يوم من التاريخ !
والناس لا يقرأون التاريخ !
لا يقرأونه لأنهم مشغولون بأحداث الحاضر الجسيمة ، التي يزيدها جسامة أنهم يعيشون فيها بالفعل ، فتبدو لهم دقائقها مجسمة ضخمة . ولا يقرأونه كذلك غرورا منهم ! غرورا يخيِّل إليهم أنهم مقطوعو الصلة بالماضي كله ، لأنهم خلق جديد لا شأن له بماضي الإنسانية السالف ، ولا شبه بينهم وبينه ، فلا"عبرة"إذن ترتجى من وراء قراءة التاريخ !