"وبقي هذا السلوك قبل المرأة في أول عهدهم بالنهضة المدنية ثابتا على حاله ، ربما تخللته تعديلات قليلة . فإنه كان من تأثير ذيوع العلم وانتشار أنوار الحضارة أن ارتفعت مكانة المرأة في المجتمع وأصبحت أحسن حالا وأرفع منزلة من ذي قبل ، وإن بقيت منزلتها القانونية على حالها لم تتبدل . فهي أصبحت ربة البيت ، منحصرة واجباتها في حدوده ، وأصبح لها في داخله سلطة ونفوذ تام . وكان عفافها وتصونها من أغلى وأنفس ما يملك ، ومما ينظر إليه بعين التقدير والتعظيم . وأيضًا كان الحجاب شائعا في البيوتات العالية . فكانوا يبنون بيوتهم على قسمين: قسم للنساء وآخر للرجال . وما كان نسوتهم يشاركن في المجالس والأندية المختلطة ولا يبرزن في الأماكن العامة . وكان يعد زواج المرأة وملازمتها لزوجها دون غيره من أمارات النجابة والشرف . ولأمثالها كانت الحرمة والمنزلة في المجتمع . وبالعكس من ذلك كانوا ينظرون إلى حياة العهر والدعارة نظرة كره وازدراء .. هذا في عصر كانت الأمة اليونانية في إبان مجدها وعنفوان شبابها وقوتها ، وكانت تنمو صعدا إلى الرقي والكمال . ولا ريب أنه كانت توجد عندهم مفاسد خلقية في ذلك العصر ، إلا أنها كانت منحصرة في نطاق محدود . وذلك أن الرجال لم يكونوا يطالَبون بمُثُل من العفاف وطهارة الأخلاق وزكاء السجية كانت تطالب بها المرأة وتؤاخذ عليها ، بل كانوا يستثنوْن من التخلق بتلك الأخلاق الحسنة ، ولم يكن من المتوقع منهم أن يعيشوا عيشة ذوي العفاف والحشمة . ومن أجل ذلك كانت المومسات جزءا من صميم المجتمع اليوناني لا ينفك عنه أبدًا ، ولا يعاب المرء إذا عاشرهن وخادنهن ."