يقصد بالقواعد الفقهية تلك القواعد الكلية العامة التي تندرج تحتها جزئيات فقهية كثيرة تفهم أحكامها بالرجوع إلى تلك القواعد الكلية.
وهذه القواعد الفقهية غير قواعد أصول الفقه، وهي القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.
فحين نقول مثلًا: إن الأمر للوجوب، فإن تلك قاعدة أصولية يلتزمها الفقيه في استنباطه للأحكام، فكلما وجد أمرًا حمله على الوجوب إلا أن تأتي قرينة تصرفه إلى غير الوجوب.
أما حينما نقول: إن اليقين لا يزول بالشك فتلك قاعدة فقهية تندرج تحتها مسائل جزئية عدة منها: أن من كان على يقين من الوضوء ثم شك في الحدث فإن وضوءه لا ينتقض، ومنها أن من كان مدينًا لآخر بيقين ثم شك في الأداء فإن الدين لا يسقط ويلزمه أداؤه، وغير ذلك من المسائل الفقهية.
ويتعلق بحديثنا هذا عدة قواعد فقهية ترجع في الحقيقة إلى قاعدة واحدة وهي قاعدة: الضرر يزال [1] ،وهي مأخوذة من قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ... ضرار) [2] .
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي أن بعضهم قد جعل نص الحديث هو القاعدة [3] .
وهذه القاعدة بعموم نصها تقضي بتحريم الضرر، وتُلزم بإزالته إن وقع، والحديث الذي معنا ينهي عن الضرر ويأمر بمنعه والأخذ على أيدي مرتكبيه، فهو وما شابهه أصل هذه القاعدة.
ثم إن هذه القاعدة يتفرع عنها قواعد أخرى ذكرها السيوطي وابن نجيم وغيرهما، ونحن نذكر من تلك القواعد ما له تعلق بحديثنا فنقول وبالله التوفيق:
1 -من هذه القواعد قاعدة: (الضرر لا يزال بالضرر) [4] أو (الضرر لا يزال بمثله) [5] ،أي أنه يشترط لإزالة الضرر أن لا يترتب عليه ضرر مثله أو أشد منه.
ووجه تعلق الحديث بهذه القاعدة أن الذين في أعلى السفينة كان يلحقهم ضرر من مرور أهل السفل عليهم، لكن لما كانت إزالة هذا الضرر سيترتب عليها خرق السفينة، فإنه يجب تحمل الضرر الواقع وعدم السعي في إزالته، ولهذا كان احتجاج أهل السفل بأنهم إنما يخرقون السفينة لمنع الأذى عمن فوقهم غير مقبول لأنهم إنما يريدون إزالة الضرر بما هو أضر منه.
2 -ومن هذه القواعد أيضًا قاعدة: (يُتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام) [6] . وقد مثلوا لها بهدم الجدار الآيل للسقوط لأن بقاءه يضر بالمجموع مع أن في هده إضرارًا بصاحبه، ومن أمثلتها أيضًا منع المفتي الماجن من الإفتاء ومنع الطبيب الجاهل من المداواة دفعًا للضرر العام.
(1) انظر الأشباه والنظائر لابن نجيم ص:94،والأشباه والنظائر للسيوطي ص:95.
(2) أخرجه ابن ماجه (2340) وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائده (المسند: 5/ 326 - 327) والبيهقي (6/ 156) ، (10/ 133) من حديث عبادة بن الصامت، وأخرجه ابن ماجه (2341) وأحمد (1/ 313) من حديث ابن عباس، وأخرجه الحاكم (2/ 57 - 58) والبيهقي (6/ 69) من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطبراني في الأوسط (1037) من حديث عائشة، وأخرجه مالك (2/ 745) ومن طريقه البيهقي (6/ 69) ، (10/ 157) مرسلًا عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، والحديث له طرق يقوي بعضها بعضًا كما قال النووي في الأربعين، وقد حسنه ابن الصلاح بمجموع طرقه وقال: وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به (انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص:266) .
(3) القواعد والأصول الجامعة ص:52
(4) انظر أشباه السيوطي ص: 61، وأشباه ابن نجيم ص:96.
(5) شرح المجلة العدلية لسليم رستم باز ص: 31، والمباديء الفقهية لأبي الوفاء درويش ص: 23.
(6) أشباه ابن نجيم ص: 96، وشرح المجلة ص:31.