الصفحة 22 من 66

يؤخذ من الحديث الأحكام الفقهية الآتية:

-وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تضافرت الأدلة على ذلك، كما قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران:104) . وقال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [1] .

وقد أجمعت الأمة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة ممن لا يعتد بخلافهم.

وهو فرض على الكفاية؛ قال الإمام النووي: (( ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف ) ) [2] .

قلت: ينبغي أن تقيد فرضية الكفاية بالتغيير باليد واللسان؛ لأن التغيير بالقلب وهو كراهية المنكر وبغض أهله واجب على الجميع، قال الإمام الشوكاني: (( ... فإذا كان غير قادر على الإنكار باليد أنكر باللسان فقط وذلك فرض، فإن لم يستطع أنكر بالقلب وهذا يقدر عليه كل أحد وهذا أضعف الإيمان كما أخبر الصادق المصدوق - ) ) [3] .

2 -إثبات العمل بالقرعة، وجواز قسمة العقار المتفاوت بالقرعة وإن كان فيه علو وسفل: فإن الرسول - قد ذكر الاقتراع في ركوب السفينة، ورضيه وضرب به المثل.

قال الخطابي: (( وفيه إثبات القرعة في سكنى السفينة وفيما أشبهها من [المنازل] التي ينزلها أبناء السبيل، إذا تنازعوا وتشاحوا أقرع بينهم، وذلك إذا كان نزولهم معًا، فأما إذا سبق بعضهم فنزل منزلًا فإنه أحق به وليس للاحق أن يزعج السابق عن مكانه ) ) [4] .

والعمل بالقرعة ثابت بالكتاب والسنة؛ قال تعالى: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون} (آل عمران:44) .فقد اقترعوا على كفالة مريم، وكان من بين المقترعين زكريا - عليه السلام -،قال ابن عباس: (اقترعوا فجرت الأقلام مع الجِرْية، وعال قلم زكريا الجريةَ فكفلها زكرياء) [5] .

وقال تعالى: {وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين} (الصافات:139 - 141) .

قال ابن القيم: (( فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة، وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صح ذلك عنهم ) ) [6] .

قلت: لابد من تقييد الاحتجاج بشرع من قبلنا، بأن لا يخالف شرعنا، وقد جاء شرعنا بجواز القرعة فصح الاحتجاج بفعل هذين النبيين الكريمين.

لكن اعترض الحافظ ابن حجر على الاحتجاج بقوله تعالى: {فساهم فكان من المدحضين} ،لأنه قد جاء في شرعنا ما يخالف ما فعلوه من إلقاء بعضهم في البحر لسلامة البعض الآخر، قال: (( وليس ذلك في شرعنا لأنهم مستوون في عصمة الأنفس فلا يجوز إلقاؤهم بقرعة ولا بغيرها ) ) [7] .

(1) أخرجه مسلم (49) وأبو داود (1140) ، (4340) والترمذي (2172) وابن ماجه (1275) ، (4013) والنسائي (8/ 111 - 112) وأحمد (3/ 54) من حديث أبي سعيد الخدري.

(2) شرح صحيح مسلم (1/ 299) .

(3) السيل الجرار (4/ 586) .

(4) أعلام الحديث (2/ 1314) .

(24) أخرجه البخاري تعليقًا في الشهادات باب القرعة في المشكلات (5/ 292 - فتح) ، والجرية هي حالة الجريان والذي يسميه كتابنا اليوم: التيار [من تعليق الأستاذ محمود شاكر رحمه الله على تفسير الطبري: 6/ 349] .

(6) الطرق الحكمية ص: 287.

(26) فتح الباري (5/ 294) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت