قلت: الآية الكريمة تدل على أنه كان يجوز في شرعهم أمران: الإلقاء في البحر، والعمل بالقرعة، فجاءت شريعتنا بنسخ الحكم الأول، وإبقاء الثاني، وعليه فلا بأس من الاحتجاج بهذه الآية على مشروعية القرعة لأنها تدل على أن يونس - عليه السلام - قد استعمل القرعة في أمر قد تقرر جوازه عنده، وهو الإلقاء في البحر، وكذلك نحن إنما نستعمل القرعة في الأمور الجائزات، فالاحتجاج بالآية إذن على مشروعية العمل بالقرعة، لا على مشروعية الإلقاء في البحر والله أعلم.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمهما خرج بها معه) [1] . وفيهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) [2] .
وجمهور أهل العلم على القول بالقرعة؛ قال الكرماني نقلًا عن ابن بطال: (( العلماء متفقون على القول بالقرعة إلا الكوفيين فإنهم قالوا: لا معنى لها وإنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. والحديث يدل على جوازها لإقرار النبي - لها حيث لم يذم المستهمين في السفينة بل رضيه وضرب به المثل ) ) [3] .
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن القرعة ومن قال: إنها قمار، فقال: ... (( إن كان ممن سمع الحديث فهذا كلام رجل سوء يزعم أن حكم رسول الله - قمار ) ) [4] .
وقد ذكر الحافظ أن القرعة إما أن تكون في الحقوق المتساوية وإما أن تكون في تعيين الملك، فمن الأول عقد الخلافة إذا استووا في صفة الإمامة، والسفر ببعض الزوجات، ومن الثاني الإقراع بين الشركاء عند تعديل السهام في القسمة [5] .
وليس في القرعة إبطال شيء من الحقوق كما قد يتوهم البعض، فإنها مجرد إعطاء الشخص حقه معينًا بعد أن كان مشاعًا، وإنما أفادت القرعة أن لا يختار واحد منهم شيئًا معينًا فيختاره الآخر فيقطع التنازع، أفاد ذلك إسماعيل القاضي في ما نقله عنه ابن حجر في الفتح [6] .
قلت: لكن هذا القول إنما يتوجه في النوع الثاني وهو تعيين الملك، أما في قضايا الحقوق المتساوية، فالذي ينبغي أن يقال والله أعلم: إن القرعة هنا هي أقرب شيء إلى تحقيق العدل، فلما كنا لا نستطيع تولية أكثر من خليفة للمسلمين، فالقرعة حينئذ ليست ظلمًا وغايتها أنها منعت رجلًا من تبويء مكانٍ يصلح له مع كونه ليس حقًا أصليًا له، وكذلك إقراع الرجل بين نسائه في السفر فليس هذا حقًا ثابتًا لكل واحدة منهن حتى يقال إن التي لم تخرج قد ظُلمت بل بإمكان الرجل أن لا يأخذ أي واحدة منهن ولا يكون قد ظلم.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عمران بن حصين: (أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرَقَّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا) [7] .
(1) أخرجه البخاري (2593) ومسلم (2770) وأبو داود (2138) وابن ماجه (1970) .
(28) أخرجه البخاري (615) ومسلم (437) والترمذي (225) والنسائي (1/ 269) .
(29) شرح الكرماني (11/ 59) .
(30) الطرق الحكمية لابن القيم ص: 288.
(2) انظر فتح الباري (5/ 294) ،ومعنى التعديل أن تقوم الأشياء المراد قسمتها فتقسم باعتبار قيمتها لا بمقدارها.
(32) المصدر السابق (5/ 294) .
(33) أخرجه مسلم (1668) وأبو داود (3958) والترمذي (1364) والنسائي (4/ 64) وابن ماجه (2345) .