الصفحة 11 من 21

والقرعة عدها الفقهاء أصلًا تبنى عليه الأحكام لتطييب القلوب وإزالة لتهمة الميل إلى المحبوب.

ولما كانت بهذه المنزلة فقد أفتى أهل العلم بمشروعيتها لحسم النزاع بين المتصدرين للإمامة وغيرها من الولايات وعند التكافؤ وانعدام المرجحات في بت الأمور وحسم النزاعات.

وفي ذالك يقول أبو المعالي الجويني:

(فإن عسر جميعهم مع تناقض المطالب والمذاهب محال فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم فإن تنازعوا وتمانعوا وأفضي الأمر إلى شجار وخصام فالوجه عندي في قطع النزاع الاقراع فمن خرجت له القرعة قدم) غياث الأمم والتياث الظلم (ص: 282) .

وقال أبو يعلى: (فقياس قول أحمد رحمه الله: أنه يقرع بينهما فيبايع من قرع منهما، لأنه قال في رواية ابنه عبد الله في مسجد فيه رجلان تداعيا الأذان فيه:"يقرع بينهما"واحتج بقول سعد ولفظ الحديث ما رواه أبو حفص العبكري بإسناده عن أبي شبرمة:"إن الناس تشاطوا في الأذان يوم القادسية فأقرع بينهم سعد") . الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 25) .

قلت: والقول بمشروعية القرعة في هذا الباب دليل بالأحرى على مشروعية"الترجيح بالأكثرية"فيه.

لأن الترجيح بالقرعة ترجيح بغير مرجح، وإنما هو وسيلة لفض النزاع، أما الترجيح بقول الأكثر فلا يخفى ما فيه من الترجيح.

ولهذا كان الصواب -والعلم عند الله- أن يقدم دائما الترجيح بقول الأكثر على الترجيح بالقرعة كما قال ابن عابدين نقلا عن بعض الأحناف: (فائدة: لا يقدم أحد في التزاحم إلا بمرجح، ومنه السبق إلى الدرس والإفتاء والدعوى، فإن استووا في المجيء أقرع بينهم) رد المحتار (4/ 230) .

وذلك لأن الترجيح بمرجح أولى من الترجيح بغير مرجح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت