الصفحة 2 من 21

يستدل البعض على منع الترجيح بالأكثرية بمثل قوله تعالى:

- {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .

- {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] .

- {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] .

- {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] .

- {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17] .

وهذا الاستدلال يكون صحيحا عندما يتعلق الأمر بأكثريتين:

الأكثرية الأولى: أكثرية عموم البشر، لأن الله حكم عليها بالخسران واستثنى منها أهل الإيمان فقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

لكن أي الفريقين أكثر؟

هل هو فريق الخاسرين من البشر، أم فريق المؤمنين الصالحين؟

الآيات السابقة كلها جواب على هذا السؤال.

الأكثرية الثانية: هي أكثرية الناس مجردة عن صفات الأهلية (سواء كانت أكثرية الناس كلهم أو أكثرية جماعة محدودة) .

أما حين تكون الأكثرية مقيدة بأوصاف الأهلية والكفاءة كأكثرية أهل الحل والعقد، وأكثرية أهل العلم، وأكثرية أهل الإيمان، فهذه أكثرية محمودة شرعا غير مذمومة، ولها وزن في الشرع ومنزلة في الترجيح.

ولهذا لا يصح تقرير حكم الكثرة مدحا أو ذما إلا باعتبار ما تضاف إليه.

إن قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} ،لا ينسحب على"أهل الحل والعقد من أهل العلم"لأنه لم يتم اختيارهم إلا على أساس توفر صفات العلم والإيمان.

وبهذا تعلم أن الأكثرية ليست مذمومة على الإطلاق، فأكثرية أهل العلم والصلاح ليست كأكثرية أهل الجهل والعصيان.

والذم المفهوم من قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ليس راجعا إلى وصف"الكثرة"في حد ذاته بل هو راجع إلى ارتباط الكثرة ب"عدم الإيمان"، وحين ينتفي"عدم الإيمان"ينتفي الذم المفهوم من الآية.

ولما كانت الكثرة في حد ذاتها غير مذمومة فقد تنافس الأنبياء في كثرة الأتباع يوم القيامة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يتباهون بها:

عن سمرة قال: (قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لكل نبي حوضا وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة) رواه الترمذى.

و سعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى كثرة الأتباع وتمناها فقال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة.) رواه البخاري عن أبي هريرة.

وعن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمر بالباءة وينهي عن التبتل نهيا شديدا ويقول تزوجوا الودود الولود إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) رواه أحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت