الصفحة 3 من 21

وردت في السنة عدة أدلة على مشروعية اعتبار الأكثرية والترجيح بها، ومن هذه الأدلة:

1 -قال البخاري في صحيحه:

(وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج فرأوا له الخروج فلما لبس لأمته وعزم قالوا أقم فلم يمل إليهم بعد العزم وقال لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله) .

وقد وردت هذه القصة بتفصيل في رواية أبي عوانة في مسنده بلفظ:

(فلما نزل أبو سفيان بالمشركين أحدا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه"إني رأيت الليلة أني في درع حصينة وإني أولتها المدينة فاجلسوا في صنعكم وقاتلوا من ورائه"وكانوا قد شكوا أزقة المدينة بالبنيان فقال رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا شهدوا بدرا يا رسول الله اخرج بنا إليهم فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس لأمته فلما لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته قال:"أما إني أظن الصرعى مستكثر منكم ومنهم اليوم، إني رأيت في النوم بقرا منحرة فأراني أقول بقر والله خير". فتقدم الذين كانوا يدعونه إلى الخروج فقالوا يا رسول الله امكث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته ثم ينتهي حتى يأتي البأس") مسند أبي عوانة (4/ 358)

وهؤلاء الذين تخلفوا عن بدر هم أغلب المسلمين يوم أحد، لأن المسلمين في بدر كانوا ثلاث مائة والمسلمون يوم أحد كانوا سبع مائة بعد انخذال ابن أبي بثلاث مائة من المنافقين.

و هذا دليل على أن الداعين إلى الخروج كانوا هم الأكثر.

وفي ذالك يقول ابن كثير: (وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو ولم يتناهوا إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرًا، قد علموا الذي سبق لأهل بدر من الفضيلة) البداية والنهاية (4/ 14) .

قلت: والشاهد من القصة أن النبي صلى الله عليه اختار العمل برأي الأكثرية تطييبا لخاطر أصحابه.

وفي هذا دليل على اعتبار رأي الأكثر وأنه يشرع العمل بمقتضاه إن توفرت شروط العمل به.

وليست القصة دليلا على أن الإمام ملزم برأي الأغلبية، بدليل قوله تعالى {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله .. } وبدليل بعض الأدلة والنصوص الأخرى.

ولكن القصة دليل على أن الإمام يشرع له العمل برأي الأغلبية والترجيح به إن ظهرت له مصلحة في ذالك، دون أن يكون مُلزَما بذالك.

2 -عن عبد الله بن عمر قال: حاصر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فلم يفتحها فقال:"إنا قافلون إن شاء الله".فقال المسلمون: نقفل ولم نفتح!،قال:"فاغدوا على القتال"، فغدوا فأصابتهم جراحات قال: النبي صلى الله عليه وسلم:"إنا قافلون غدا إن شاء الله"، فكأن ذلك أعجبهم .. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري.

وفي هذا الحديث أيضا دليل على مشروعية العمل برأي الأكثرية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك رأيه نزولا عند رغبتهم، وهذا مشروع له كما ذكرنا في المسألة السابقة.

3 -عن عبد الرحمن بن شبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يسلم الراكب على الراجل، والراجل على الجالس، والأقل على الأكثر) رواه أحمد بسند رجاله ثقاة.

وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الكثرة معيارا للترجيح ومعرفة المتعين عليه البدء بالسلام.

ومن باب القياس أن نقول: لما تعين على الأقل أن يبدؤوا بالسلام على الأكثر ترجيحا لجانب الأكثرية، جاز أن نقول: يتعين على الأقل -عند النزاع- الخضوع لقول الأكثر ترجيحا لجانب الأكثرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت