ومن ذلك طلب العلم للشهادة أو الوظيفة، وهذا من أعظم المنكرات القادحة في التوحيد لأن طلب العلم الشرعي عبادة من أعمال الآخرة فلا تطلب به الدنيا مثل الشهادة و الوظيفة.
قال تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) [الشورى: 20] .
وقال تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا) [الإسراء: 17 - 18] .
وقال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) ... [الكهف: 28] .
قال الطبري رحمه الله: (يدعون ربهم) أي بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها. (يريدون) أي بفعلهم ذلك. (وجهه) أي لا يريدون عرضًا من عرض الدنيا.
أقول: أي لا يريدون بطاعتهم عرضًا من أعراض الدنيا و معلوم أن طلب العلم طاعة لله وأن الذي يطلب العلم لأجل الشهادة يكون قد طلبه لعرض من أعراض الدنيا فيدخل في هذه الآية أنه لم يرد وجه الله.
ومن السنة:
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) [1] .عرفها: يعني ريحها.
وروى جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار) [2] .
وروى عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من طلب العلم لغير الله، أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار) [3] .
وقد بوب على ذلك شيخ الإسلام محمد بن الوهاب رحمه الله في كتابه التوحيد قال: (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: أراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة وما بعدها أن العمل لأجل الدنيا كالرياء في بطلان العمل إن استرسل معه كمن يطلب العلم لتحصيل وظيفة التعليم كحال أهل المدارس وأئمة المساجد والمجاهدين ونحوهم ممن يقصد بعمله أمر الدنيا، وقد وقع ذلك كثيرًا حتى إن منهم من يحرص على سفر الجهاد لما يحصل له فيه من جهة أمير الجيش واجتماعه به، وأمره له ونهيه وقربه منه ونحو ذلك [4] .
قال سفيان الثوري رحمه الله: إن أقبح الرغبة أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة.
وقال سري السقطي يذم من يأكل بدينه فيقول: من النذالة أن يأكل العبد بدينه.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: لا تكتبوا العلم عمن يأخذ عليه عرضًا من الدنيا [5] .
وقال مالك بن دينار عن الحسن قال: قلت له ما عقوبة العالم؟ قال: موت القلب. قلت: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة [6] .
أقول:: قد يوجد هناك من يقول إني أدرس لطلب العلم ولا أريد الشهادة فنقول له: لن تسلم من باقي المنكرات إذا سلمت من هذا المنكر، وطلب العلم موجود في المساجد، فلماذا تدخل هذه المدارس وتطلب العلم بمعصية الله من صور وغيرها من المنكرات التي تراها في المدارس.
(1) 1 - ... رواه ابن ماجه في باب الانتفاع بالعلم والعمل به.
وقال النووي في رياض الصالحين: رواه أبو داود بإسناد صحيح.
(2) 2 - رواه ابن ماجه في سننه باب الانتفاع بالعلم والعمل به.
(3) 1 - نفس المصدر السابق.
(4) 2 - قرة عيون الموحدين ص 184.
(5) 3 - دعوى الإصلاح لعبد الكريم الحميد حفظه الله.
(6) 4 - رد على الشوكاني لعبد الكريم الحميد حفظه الله.