إن الجلوس في أماكن يعصى فيها الله لا يجوز؛ لأنه يجب إنكار المنكر ومراتب الإنكار ثلاثة:
اليد فإن لم يستطع فاللسان فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، وإنكار القلب يقتضي المفارقة فإن أنكر بيده أو لسانه ولم يزول المنكر يجب عليه أن يفارق وإلا كان مثلهم في الإثم.
أما درجات الإنكار فمن حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) ).
أما من يجلس عند المنكر ولم يفارق المنكر فقد قال تعالى في حقه: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا) [النساء: 140] .
قال ابن كثير رحمه الله: (إنكم إذًا مثلهم) في المأثم.
وقال القرطبي: (إنكم إذا مثلهم) فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر
وقال: فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وقال أيضًا: إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة العاصي حتى يهلكوا بأجمعهم.
وقال الإمام الطبري رحمه الله: وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسقة، عند خوضهم في باطلهم.
وقال أيضًا: عن هشام بن عروة قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قومًا على شراب فضربهم، وفيهم صائم، فقالوا: إن هذا صائم! فتلا: (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم) .
أقول: انظر رحمك الله إلى فقه هذا الإمام الجليل حينما أخذ هذا الصائم فضربه معهم لأنه كان جالسًا معهم ولم ينكر، ولو أنكر ثم لم يتركوا المنكر فيجب عليه أن يفارقهم ولكنه جلس فدخل ضمن هذه الآية ولو لم يرتكب المنكر معهم.
قال الله جل وعلا: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) [العنكبوت: 56] .
قال الطبري رحمه الله: قال سعيد بن جبير: (إن أرضي واسعة) قال: إذا عمل فيها بالمعاصي، فاخرج منها. وقال عطاء: مجانبة أهل المعاصي.
وقال البغوي رحمه الله في هذه الآية: وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تتهيأ له العبادة ا. هـ.
بعد هذه الآية يتبين أنه لا يجوز البقاء في مكان يعصى الله فيه فإذا لم يستطع الرجل الإنكار أو لم يتغير المنكر بعد إنكاره فإنه يغير مكان هذا المنكر بمكان لا يوجد فيه منكر أو لايعصى الله فيه.
وقال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) [آل عمران: 104] .؟
وقال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) [الأعراف: 165] .
وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) ... [آل عمران: 110] .
قال مجاهد وغيره: أي بالشرط المذكور ا. هـ.
أي تكونون خير أمة بشرط أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر.