الصفحة 8 من 71

يقول الله تعالى مخاطبًا عباده في أنفسهم وأهليهم: (ياأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: 6]

قال قتادة: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصية الله وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية قذعتهم عنها وزجرتهم عنها [1] .

تدل هذه الآية على أن الإنسان يبدأ بنفسه قبل غيره ثم بأبنائه وأهله عمومًا قبل الناس فهو مسؤول عنهم يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ).

وروى البخاري أيضًا عن الحسن أن عبد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثًا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة ) ).

هذه الأحاديث تدل على عظم حق الأبناء على آبائهم من حيث التربية والنصيحة فكل أب مسؤول عن ابنه فإن تركه في مكان يعصى الله فيه فهو مرتكب لذنب وإن تركه في مكان يعلم فيه أو يقر فيه أو موجود فيه كفر أو معصية فهو على ذنب عظيم، وإن كان الولد هو الموجود والأب غير موجود لأن الأب في هذه الحالة راضي بذلك وهو مسؤول عن ابنه.

والذي يهمل ابنه أو لايهتم به أكان في مكان طاعة أو مكان معصية فهذه هي والله الخسارة العظيمة لقوله تعالى: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين. لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون) [الزمر: 15 - 16] .

ولكن إذا بذل الإنسان جهده وصلحت ذريته لا تحسب أن عمله سيذهب هباء لا في الدنيا ولا في الآخرة لقوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون) والآيات التي بعدها [الطور: 21 - 28] .

وقد اهتم الأنبياء قبلنا بأبنائهم وذرياتهم وإليك أقوال بعضهم صلوات الله وسلامه عليهم:

إبراهيم عليه السلام:

قال الله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد ءامنًا و اجنبني وبني أن نعبد الأصنام) [إبراهيم: 35]

إسماعيل عليه السلام:

قال تعالى: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة زكان عند ربه مرضيًا) [مريم: 55] .

لوط عليه السلام:

قال تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعملون) [الشعراء: 169] .

محمد - صلى الله عليه وسلم - بأمر من ربه:

قال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) [طه: 132] .

وهذه دعوة الصالحين قال تعالى: (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا) [الفرقان: 74] .

قال الإمام أحمد بن قدامة المقدسي:

(1) 1 - تفسير ابن كثير 4/ 391

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت