قال ابن القيم يرحمه الله:(لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم، وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم، حتى ربى فيها الصغير وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكرًا فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل، فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار إليهم، وكانت قبل ذلك لأضدادها وكان أهلها هم المشار إليهم.
فإذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض والله خير من ظهرها، وقلل الجبال خير من سهولها، ومخالطة الوحوش أسلم من مخالطة الناس)." [1] "
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف رحمه الله:
(وأما حقيقة دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من الهدى والنور، فعزيز والله من يعرفها أو يدريها، والعارف لها من الناس اليوم كالشعرة البيضاء في الجلد الأسود، وكالكبريت الأحمر، أين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟ لم يبق إلا رسوم قد درست، وأعلام قد عفت، وسفت عليها عواصف الهوى، وطمستها محبة الدنيا، و الحظوظ النفسانية، فمن فتح الله عين بصيرته، ورزقه معرفة للحق وتميزًا له، فلينج بنفسه، وليشح بدينه، ويتباعد عمن نكب عن الصراط المستقيم، وآثر عليه موالاة أهل الجحيم، نسأل الله السلامة والعافية) [2] .
أقول: والله، لقد صدق هذان الإمامان ـ رحمهما الله رحمة واسعة ـ فكل ما ذكروه واقع في زماننا؛ فإن الرجل لا يجد من يعينه على هذا الطريق، إذا كان العلماء وطلبة العلم قد وقعوا في هذا المنكر العظيم! فما لنا إلا الله، والدعاء والدعوة والتبيين للناس لعلهم يرجعون.
ولنعلم أن الكثرة ليست هي الحق؛ بل قد ذمها الله في قوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) ، (وإن تطع أكثر من الأرض يضلوك عن سبيل الله) .
واعلم أن أهل الحق يكونون قلة في أول الزمان وآخره كما قال تعالى:
(ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) .
وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء ) )رواه مسلم.
وقال - صلى الله عليه وسلم: (( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) ).
(1) 1 - الفوائد ص 63
(2) 2 - الدرر السنية 8/ 451.