فيكون الأمر حينئذ أشد صعوبة. فهل كانت دولة النبي بعد أُحد ما زالت باقية عند الأدعياء المغالين في مفهوم العدد والعدة ومقدار بسط النفوذ والسيطرة؟
وهيا بنا نقف على صورة أخرى أشد كربًا تعرضت لها الدولة النبوية وذلك في غزوة الخندق أيام الأحزاب قال الله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) .
والصورة في غزوة الأحزاب هي كالتالي:
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يحفرون خندقًا يمنع العدو وبمشورة من سلمان رضي الله عنه (إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا) , ثم يعسكر الجيش المسلم خلف الخندق وكانوا نحو ألف مقاتل وهو الراجح إن شاء الله خلافًا لما ذهب إليه أكثر أهل السير وعلى ذلك أدلة ليس هذا موضعها, قال شيخ الإسلام:"وقد كان المسلمون يوم بدر ثلاثمئة وثلاثة عشر, ويوم أحد نحو سبعمئة, و يوم الخندق أكثر من ألف أو قريبًا من ذلك, أمامهم عشرة آلاف من مشركي العرب عقدوا العزم على دخول المدينة والقضاء على المسلمين, ثم فجأة ظهر عدو يهددهم من الخلف سافرًا عن عدائه في أقبح صورة وهم يهود بني قريظة".
روى الحاكم والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال:"لقد رأيتنا يوم الأحزاب ونحن صافون قعود و أبوسفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا وقريظة اليهود أسفل منها نخافهم على ذرارينا".
قال السعدي رحمه الله:"فحاصروا المدينة واشتد الأمر وبلغت القلوب الحناجر حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ لما رؤوا من الأسباب المستحكمة والشدائد الشديدة". اهـ
ولقد بلغ الخوف والجوع بالمسلمين مبلغًا عظيمًا إلى درجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى يومًا في الناس فقال:"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم"يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يرجع أدخله الله الجنة فما قام رجل, ثم صلى صلى الله عليه وسلم هويًا من الليل ثم التفت إلينا فقال"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع"يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة,"أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة"فما قام رجل من القوم مع شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد, فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني, فلما اشتد الأمر وخاف النبي صلى الله عليه وسلم على الذراري والنساء من يهود قريظة إذ لم يكن هناك مانع عسكري معتبر يردعهم عن ذلك أو حتى أن تمتد أياديهم النجسة إلى المسلمين من الخلف أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفرق