حول
التفسير الإسلامي
للتاريخ
للشيخ
محمد قطب
حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون، فَلَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَاسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر: 82 - 85) .
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ، وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود: 117 - 119) .
صدق الله العظيم
ليس التفسير الإسلامي للتاريخ قضية ثقافية ولا فكرية بحتة، ولكنه قضية تربوية كذلك.
وقد لا توجد في الحقيقة قضية ثقافية أو فكرية منقطعة الصلة بقضايا التربية. فكل قضية تتعلق"بالإنسان"هي قضية تربوية في النهاية، إذا اعتبرنا التربية هي فن تشكيل"الإنسان"على نمط معين، تحدده العقيدة أو المبدأ الذي يدين به مجتمع معين، أو جماعة معينة.
ولكن دراسة التاريخ بالذات هي من القضايا التربوية المباشرة، إذا وضعنا في اعتبارنا أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث التاريخية، إنما هو إلى جانب ذلك تفسير لتلك الأحداث، وتقويم لها. والتفسير والتقويم يشملان ذات القيم والمبادئ والأفكار التي تقوم عليها التربية وتسعى إلى تحقيقها. ومن ثم فصلته بها صلة مباشرة، بحيث نستطيع أن نقول مطمئنين إن درس التاريخ في حقيقته درس في التربية، وإن تفسير التاريخ أمر ذو أهمية بالغة في تكوين الأمة التي يراد لها أن تتربى بدراسة التاريخ.
ومن ثم فإن التعرف على التفسير الإسلامي ليس نافلة بالنسبة للأمة المسلمة، بل هو من صميم احتياجاتها التي ينبغي أن تسعى لتوفيتها وتحقيقها. وهو بالذات من صميم اهتمامات الصحوة الإسلامية، إذ هو ركيزة من ركائزها في التربية، كما أنه مقوم من المقومات الرئيسية لاسترداد الوعي الإسلامي، واسترداد الشخصية الإسلامية المفقودة في ركام الغزو الفكري الذي غشى الحياة الإسلامية في العصر الحديث.
وقبل سنوات ليست طويلة كانت فكرة التفسير الإسلامي للتاريخ تقابل من قبل كثير من"المثقفين"بالإنكار الشديد الذي يصل إلى حد الاستهجان! وكان يقال: ما للإسلام والتاريخ؟! أتريدون أن تحشروا الإسلام في كل شيء؟؟ إن التاريخ هو تسجيل الأحداث التاريخية، فهل يختلف التسجيل إذا كان المؤرخ مسلما أو غير مسلم؟
و"المثقف"الذي يقول هذه القولة شخص قد غفل عن حقيقة أساسية أشرنا إليها في السطور السابقة، هي أن التاريخ ليس مجرد سرد للحوادث التاريخية، إنما هو إلى جانب ذلك تفسير لتلك الحوادث وتقويم لها، وأن التفسير والتقويم في الحقيقة هما الجانب المهم في دراسة التاريخ، الذي بدونه يصبح التاريخ مجومعة من الأقاصيص لا هدف لها ولا غاية.