الصفحة 101 من 110

وهل تغيرت دوافع القتال حين تغيرت أدواته؟ أم لا يزال الموقف كما كان منذ أول لحظة: إما قتال في سبيل الله وإما قتال في سبيل الطاغوت يتخذ صورا شتى من الاستعباد والظلم والعدوان والاستغلال؟!

وكانت معلومات الناس عن الكون المادي ضئيلة للغاية، وسيطرتهم على البيئة ضئيلة للغاية .. ولكن في قلوبهم شوقا دائما لمزيد من المعرفة بذلك الكون، ومزيد من السيطرة على البيئة .. وظل هذا الشوق يدفع الإنسان حتى فجّر الذرة، واستخلص محتوياتها، وصارت البيئة طيعة بين يديه لتحقيق رغباته.

فما الذي تغير؟!

هل اكتفى الإنسان بما حقق من علم، وبما حقق من سيطرة على البيئة؟ أم لا يزال ذلك الشوق الكامن في قلبه يدفعه إلى المزيد؟

حقيقة إن العلم الذي حصل عليه حقق له قدرا من السيطرة لم يكن يحكم به .. فصارت ضغطة زر تدير له آله تقوم بجهد مئات من العمال، أو تنقل إليه أنباء العالم وهو جالس في مقعده، أو تحمله إلى الفضاء ..

ولكن هذا كله كان"أحلاما"بشرية فتحقق في عالم الواقع .. ولا شك أن تحققه قد حفزه إلى أحلام جديدة يحاول تحقيقها. ولكن هل خرج عن كيانه وعن دوافعه؟ هل تحول إلى خلق آخر؟

قد يخيل للإنسان في الجاهلية المعاصرة أن تغيرا جذريا قد حل به، هو الاستغناء عن الله، شعورا منه بأنه قد بلغ أقصى الغاية في تحقيق ذاته، أو كما يقولون هم: لقد شب الإنسان عن الطوق، ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله!

فهل هذا الأمر جديدا حقًا! أم أنه قديم قدم الإنسان؟ تأمل قوله تعالى:

(كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [سورة العلق: 6 - 7] .

وكان الإنسان الجاهلي القديم يسترق أخاه الإنسان بقوة عضلاته. فيستعبده ليزرع له الأرض وهو مستريح، وهو فوق ذلك مسيطر، فيحقق نزعتين خبيثتين في آن واحد: نزعة السيطرة ونزعة الاستيلاء على جهد الآخرين بأقل من المقابل المستحق لذلك الجهد ..

و"تطور"الإنسان تطورا هائلا خلال عشرين قرنا من الزمان أو أكثر ..

ثم استحدث نوعا جديدا من الرق يسمونه الاستعمار الاقتصادي أحيانا، ويسمونه أحيانا بأسماء أخرى، خلاصته أن الدول القوية تسيطر على اقتصاديات الدول الضعيفة، فتجعلها تنتج لها الخامات التي تحتاج إليها بأرخص الأسعار، وتأخذها هي لتصنعها ثم تبيعها بأغلى الأسعار، وتفرض على الدول الضعيفة بشتى الوسائل أن تشتريها بتلك الأسعار ..

فما الذي تغير؟!

حقيقة إن الصورة الساذجة القديمة للاسترقاق قد اختفت، ولم تعد العضلات هي وسيلة الاسترقاق .. ولكن هل تغيرت في الإنسان الجاهلي الحديث هاتان النزعتان الخبيثتان: نزعة السيطرة، ونزعة الاستيلاء على جهد الآخرين، بأقل من المقابل المستحق للك الجهد؟

تلك قصة الإنسان في الأرض ..

تغيرت صورة حياته مئات المرات خلال التاريخ .. ولكن نفسه من الداخل لم تتغير ..

وحين زعمت الشيوعية أن نزعة الملكية الفردية ليست نزعة فطرية وأنها قد استحدثت في نفس الإنسان نتيجة اكتشاف الزراعة، وتملك الأرض لاستغلالها في الزراعة، وأن الشيوعية قد"غيرت"تلك النزعة فردتها إلى أصلها الجماعي الذي كانت عليه في المشاعية البدائية قبل ظهور الملكية الفردية .. حين زعمت ذلك ردت عليها حقائق الواقع، إذ تدهور الإنتاج الزراعي في روسيا في ظل الملكية الجماعية حتى أصبحت روسيا تشتري القمح -بانتظام- من أمريكا!!

كلا! لم يتغير شيء في البناء الداخلي للإنسان، مع كل التغير الضخم الذي حدث في مظاهر الحياة!

يقول رينيه دوبو في كتابه"إنسانية الإنسان":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت