"عاش رجل"كروما غنون"في أكثر أنحاء أوروبا قبل حوالي ثلاثين ألف سنة، قبل قيام الزراعة وحياة القرية بفترة طويلة، ومع أنه كان صيادا بصورة رئيسية كان -على ما يظهر- مشابها لنا جسما وعقلا. فأدواته وأسلحته تناسب حجم أيدينا الآن. وفنه في كهوفه يثير مشاعرنا. والعناية التي كان يوليها لدفن موتاه تكشف أنه شاركنا بشكل ما بالاهتمام بنهاية الإنسان وآخرته. وكل أثر مدون من آثار إنسان ما قبل التاريخ يوفر شواهد أخرى للفكرة القائلة إن الخواص الأساسية للجنس البشري لم تتغير منذ العصر الحجري [1] ."
لذلك لا تتغير القيم الثابتة التي تحكم الجانب الثابت من كيان الإنسان!
ولكن هل معنى هذا أن نسقط كل ما تغير من مظاهر الحياة الإنسانية من معيار التقويم الذي نقوم به إنجازات الإنسان، بحجة أن بناءه الداخلي لم يتغير، ومن ثم لا بد أن يكون التقويم بالقيم الثابتة التي تتوقف عليها"إنسانية الإنسان"لا بمظاهر حياته المتغيرة؟
كلا! لا نقصد ذلك!
فلو عثرنا اليوم على إنسان ما زال يعيش في الكهف، يصطاد الحيوان لطعامه بالرمح أو السهم، ويطهوه في موقد بدائي، أو لا يعرف كيف يطهوه .. ويلبس قطعة من الجلد حول منطقته .. فسنقول على الفور إنه متأخر.
ذلك أنه قد تخلف في جانب من الإنجاز المطلوب منه في مجال الخلافة وعمارة الأرض، استطاع أقرانه من البشر أن يقوموا به، فأصبح هو متخلفا عنهم، لوجود نقص في جانب من كيانه، جعله يقصر في اللحاق بأولئك الأقران.
ولكننا لو اكتشفنا من معايشتنا لذلك الإنسان أنه يعرف إلهه الحق، ويعبده عبادة صادقة، ويلتزم بالفضائل الإنسانية فلا يظلم ولا يعتدي، ويعامل الناس باللطف والمودة، وإذا عرض موجب للتعاون قام يتعاون معهم ويبذل جهده لا يريد من الناس جزاء ولا شكورا، ورأيناه لا يستأثر وحده بالطعام بل يبحث عن إنسان محتاج فيشركه في طعامه، ثم يقوم فيشكر الله على أن مكنه من أداء خدمة لإنسان آخر.
هل تظل نظرتنا إليه كما كانت عندما رأيناه للوهلة الأولى قبل أن نعرف أفكاره ومشاعره وطريقة سلوكه؟!
أم يتغير الميزان؟
وحين يتغير الميزان فهل نغض الطرف تماما عن النقص الذي لمسناه أول مرة؟ أم نقول: إنه رجل فاضل كريم عاقل متزن نبيل المشاعر، ولكن يلزمه أن يغير ما فيه من التخلف، ليصبح على مستوى العصر الذي يعيش فيه؟!
وهذا مثال جدلي متخيل بطبيعة الحال، مبالغ فيه من طرفيه للتوضيح. ولكن القضية التي يعرضها قضية حقيقية، تحتاج إلى حسم من كاتب التاريخ: أيهما الأثقل في الميزان: جانب القيم الثابتة؟ أم جانب المظاهر المتغيرة، مع التسليم بأن كلا منهما مطلوب، وكلا منهما له وزنه في التقويم الأخير ..
ولكي تتضح الصورة، ويسهل الحسم في القضية، سنأخذ المثال المقابل تماما من الجاهلية المعاصرة.
هذا إنسان قد هبط لتوه من الصاروخ العائد من الفضاء .. لقد حقق مجدا عظيما للإنسان يغزو الفضاء، و"تحدى"كل العوائق التي كانت تمنع الإنسان من الانطلاق [2] .
(1) رينيه دوبو، إنسانية الإنسان، ترجمة د. نبيل صبحي الطويل، طبع مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى سنة 1979، ص71.
(2) أشرنا من قبل إلى الصاروخ الذي انفجر بعد ثوان من إطلاقه وكان يحمل اسم"المتحدي"ولا ندري بالضبط من أو ماذا كان يتحدى؟!