الصفحة 103 من 110

وحين هبط إلى الأرض كانت"صديقته"في انتظاره لتهنئه بالنصر العظيم الذي تحقق على يديه .. إنهما لم يتزوجا لأنهما لا يعترفان بالزواج، ويعتبرانه قيدا سخيفا على حريتهما لا معنى له. هي تعمل. مستقلة اقتصاديا. ليست في حاجة إلى من يعولها .. لذلك فهي تمنح صديقها صداقة حرة. بمحض إرادتها. صحيح أنه ليس أول صديق لها .. وقد لا يكون آخر صديق .. ولكنه -الآن- هو صديقها المختار .. وهو من جانبه كذلك .. ليست هذه أول صديقة له .. وقد لا تكون آخر صديقة .. ولكنها -الآن- صديقته المختارة.

عنده مبلغ من المال، أودعه في البنك ليحصل على فوائده .. لم يقف ليسأل نفسه يوما: هل الربا طريق مشروع لاستثمار المال؟ صحيح أن البنك الذي يعطيه الفائدة قد ربح أكثر منها من إقراض مبلغه ومبلغ غيره إلى المحتاجين لاستثماره .. ولكن من يملك البنك؟ ما نتائج تراكم المال في يد الفئة القليلة التي تملك معظم أسهمه؟ ما تأثير هذا المال المتراكم في السوق الاقتصادية؟ سوق العملات العالمية مثلا؟ ما تأثيره في توجيه وسائل الإعلام؟ وهذه الصور العارية في الصحافة أو التليفزيون، وهذه الأغاني التافهة، والمسرحيات الهابطة والأفلام المثيرة؟ أي هدف يقصد منها؟ ومن الذي يدير السياسة حين تغرق"الجماهير"في هذا اللهو العابث الذي تبثه وسائل الإعلام؟ ولمصلحة من في النهاية؟

ثم .. إذا بحرب قد أعلنت .. ولقد جندته الدولة ليذهب إلى ميدان القتال بعد أن شحنت وسائل الإعلام مشاعر الناس ضد"العدو"الذي يستحق الإبادة والتأديب .. لم يقف ليسأل نفسه، هل هذه الحرب حق أم باطل؟ لحساب من تدار؟ هذه الأرواح التي ذهب لإزهاقها .. هل تستحق الإزهاق بالفعل؟ .. أم إنها قامت لحقها المغتصب، فذهب هو"لتأديبها"جزاء تمسكها بحقها المشروع؟

انتهت الحرب وعاد منتصرا .. لقد أثبتت بلاده قوتها وانتصرت على عدوها بما تملك من وسائل التدمير الوحشي، وهو مسرور بطبيعة الحال، بنجاته من الموت أولا، وبنصر بلاده ثانيا، لم يهتز ضميره لحظة واحدة للقتلى الذين قتلتهم بلاده، ولا المشردين الذين شردتهم، فالقومية التي يعتنقها -التي غذتها في نفسه مناهج التعليم ووسائل الإعلام- قد علمته أن"مصلحة"بلاده فوق مصالح البلاد كلها، وهي التي لها الاعتبار كله، ومصالح الأمم الأخرى لا وزن لها ولا اعتبار .. لقد قام النزاع فانتصر الأقوى، والأقوى هو الأصلح، وهو صاحب الحق في البقاء ..

لم يجد صديقته .. لقد تعرفت في أثناء غيابه على صديق آخر .. تركت له رسالة تعلنه فيها بانتهاء ما كان بينهما من علاقة .. أحزنته الصدمة .. ذهب إلى"علب الليل"ليغرق أحزانه .. واحتاج إلى قدر أكبر من الخمر لينسى .. ليهرب من نفسه .. إنه ينسى بالفعل، ولكنه يفيق أكثر كآبة، وأكثر حاجة إلى الهروب من الظلام الذي يملأ جنبيه .. يريد أن يغرق في مرح مجنون .. لا يريد أن يفكر .. لا يطيق أن يفكر .. وفي أي شيء يفكر؟ ما أتفه الحياة! إنها ليست ذات معنى .. إنها عبث مفض إلى الفناء!

هل هناك شيء بعد الفناء؟ ..

لأي شيء يعيش الإنسان؟

أوه .. دعنا من التفكير! فلنعمل بجد لنكسب أكبر قدر من النقود .. ثم لننفق ما حصلناه من النقود .. ولنحاول أن نستمتع إلى أقصى حد .. Enjoy yourself [1] وليكن بعد ذلك ما يكون!

(1) أي متع نفسك! وهي كلمة شديدة الجريان على ألسنة الأولاد والبنات في أمريكا خاصة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت