تلك قصة متخيلة بطبيعة الحال، ولكن وقائعها -متفرقة أو متجمعة- تحدث لملايين من البشر في الغرب .. يعيشون"التطور"! كل مظاهر حياتهم قد تطورت مع تطور العلم، والتكنولوجيا، وتطور"المفاهيم"المتعلقة بالإنسان، وغاية وجوده .. يعملون بدأب وجلد لإنتاج أكبر قدر من الإنتاج المادي"المتطور".. وأفئدتهم هواء! خاوية من كل القيم الحقيقية التي تتحقق بها"إنسانية"الإنسان، والتي اختص بها منذ أخذ صورته الإنسانية المتميزة.
وما وزنهم في التاريخ؟ ... بل قبل أن نسأل عن وزنهم نسأل عن حالهم .. ما حصيلة"التطور"الذي يعيشونه أو يعيشون فيه؟
فأما عدد غير قليل منهم فسل عنه مصحات الأمراض العقلية، والعيادات النفسية، وسجلات المجرمين، بنسب تقول إحصائياتهم ذاتها إنها آخذة في الازدياد.
وعدد آخر فسل عنه في مكان غريب جدا ولكن له دلالته في قياس درجة"السعادة"التي يعانيها المتطورون .. هو"مكاتب"البحث عن الشاردين من أهلهم وأصدقائهم والشاردات، تلك المكاتب التي تأخذ"المواصفات"وتقوم بالبحث لقاء أجر معلوم ..
وأرقب الباقين -أو غالبيتهم- يعملون كالآلات بالنهار، وينطلقون كالحيوانات في الليل، في المراقص والحانات وعلب الليل ونوادي التفاهة أو نوادي المجون.
والآن ما وزنهم في التاريخ؟
لا نقول إنهم أصفار في ميزان التاريخ .. فهذا الجهد الدائب الذي يبذلونه في التعرف على الكون المادي، واستغلال طاقاته في تيسير الحياة للإنسان، هو جزء من مهمة الخلافة التي خلق لها الإنسان. ولهذا لا يمكن إسقاطه من الحساب.
وهذا التنظيم العبقري للحياة، الذي ييسر بدوره استغلال طاقات الكون المادي للإنسان، هو جزء من مهمة الخلافة فلا يمكن إسقاطه من الحساب.
والتكنولوجيا المتطورة وأثرها"في السيطرة على البيئة"جزء من مهمة الخلافة لا يمكن إسقاطه من الحساب ..
وتلك هي"المتغيرات"النافعة في حياة الإنسان المعاصر.
ولكننا نقول -كما قلنا من قبل- إن هذه الأمور كلها، بغير القيم التي ينبغي أن تصاحبها، خفيفة الوزن جدا في الميزان الذي يقوم به إنجاز"الإنسان"!
ثم إنها وحدها -بغير القيم التي ينبغي أن تصاحبها- عرضة لأن تدمر الإنسان في النهاية، بعد أن تقدم له النفع فترة من الزمن. هي الفترة التي يقدرها الله في الإملاء للظالمين قبل أن يدمر عليهم.
ويجيء التدمير بقدر من الله، ولكن يجري قدر الله من خلال أعمال البشر كما بينا من قبل:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [سورة الروم: 41] .
فمن هذه الأدوات النافعة ذاتها يحدث الفساد في الأرض، حين تقوم وحدها بغير القيم التي ينبغي أن تصاحبها. لأنها تؤدي إلى الترف، وتؤدي إلى الترهل، وتؤدي إلى الفتنة بمتاع الحياة الدنيا والتكالب عليه، فيحدث الصراع المدمر في حياة الناس ..
من أجل ذلك فإن القيم الثابتة هي الأثقل وزنا في ميزان التاريخ، وهي التي ترجح الكفة أو تجعلها تطيش .. أما المتغيرات فمع أنها ذات وزن، ومع أنها مطلوبة، ومع أنها من المقومات المحسوبة في التقويم، فإنها ليست هي التي ترجح الكفة أو تجعلها تطيش.
وفي لحظة معينة، حين يجيء التدمير بقدر من الله يكون وجودها وعدمها سواء!