الصفحة 56 من 110

ولقد شاء قدر الله أن يكون سحرة فرعون، وأصحاب الأخدود، وأمثالهم مواقف فردية، يحققون الإنسان المثال في ذوات أنفسهم، ويمضون رافعي الرؤوس إلى ربهم .. وأن يكون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نماذج تحقق منهج الحياة الرباني كاملا، بالإضافة إلى تحقيقهم في ذوات أنفسهم أرفع ما يصل إلى ذروته الإنسان.

والحكمة في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين، فلا نبي بعده، وأنه مرسل إلى البشرية كافة لا إلى قوم معينين في زمن معين:

(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [سورة الأحزاب 40] .

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [سورة الأعراف: 158] .

وقد اكتمل الدين فلا إضافة:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [سورة المائدة من الآية: 3] .

فاقتضت حكمة الله أن تقوم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بما كان يقوم به الرسول عليه الصلاة والسلام من التبليغ والدعوة والتطبيق العملي لهذا الدين في واقع الأرض، والجهاد في سبيل ذلك كله. وأن يكون الجيل الذي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النموذج الفذ الذي يحمل هذه المعاني كلها، ويمثلها أكمل تمثيل.

وكذلك كان ذلك الجيل بالفعل ..

وحقيقة أنه -حتى الآن- لم يتكرر .. وقد لا يتكرر بصورته نفسها إلى نهاية حياة البشر على هذه الأرض، وإن كان التاريخ الإسلامي لم يخل قط من نماذج فردية على ذات المستوى الرفيع الذي كان عليه ذلك الجيل، تحقيقا للتقرير الرباني: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) ومع ذلك فقد كتب ذلك الجيل التاريخ!

لا تاريخ نفسه فحسب بل تاريخ الإسلام! فتاريخ الإسلام في الحقيقة هو الامتداد الحي لما حققه ذلك الجيل الفذ من إنجاز إنساني فائق رائع المثال.

وقد انحرف المسلمون انحرافات شتى في تاريخهم، تجمعت في حقبتهم الأخيرة فحولتهم غثاء كغثاء السيل، كأنهم أمة أخرى غير أمة الإسلام [1] ولكن هذه لم تكن النهاية، بل جاءت الصحوة الإسلامية لترد الأمة إلى دينها وعقيدتها وتاريخها وذاتيتها [2] وكان المشعل الذي استضاءت به هذه الصحوة -ككل صحوة سابقة- هو ذلك التاريخ الفريد، لذلك الجيل الفريد.

من أجل ذلك يستحق هذا الجيل أن يفرد له فصل خاص في تاريخ البشرية، تسلط فيه الأضواء على كل جزئية من جزئياته، وكل دقيقة من دقائقه، لأنه في كل جزئية وفي كل دقيقة مثال، ولأنه منهج حياة كامل .. يعطي النموذج الفذ في كل جانب من جوانب الحياة.

فهذا الجيل هو الذي حقق -بعقيدته- أعظم تغيير وقع في تاريخ البشرية، بغير بواعث بشرية، فقرر مبدأ ينقض كل المبادئ الجاهلية التي تقدمها التفاسير الجاهلية للتاريخ، هو أن العقيدة -وحدها- حين تتوهج في قلوب أصحابها كما توهجت في قلوب ذلك الجيل، يمكن -على هدى الوحي الرباني- أن تنشئ قيمًا سياسية جديدة، وقيمًا اجتماعية جديدة، وقيمًا اقتصادية جديدة، وقيمًا فكرية وأخلاقية جديدة، غير مسبوقة من قبل، ولا هي"تطور"لواقع كان موجودًا من قبل .. وغير مرتكزة على شيء إلا على كيان"الإنسان"بعد تصحيح كيانه ورده إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

أي أنه حقق ما يقول التفسير المادي الجدلي إنه المستحيل!

(1) انظر فصل"خط الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".

(2) انظر فصل"الصحوة الإسلامية من الكتاب ذاته."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت