أما التفسير الإسلامي فيقول إنه واقع فذ ولكنه غير مستحيل! بل يقول إنه واقع قابل للتحقيق كلما تحققت أسبابه في نفوس البشر .. وإن البشر هم المسؤلون عن تحقيقه، أو على الأقل عن محاولة التحقيق!
لذلك يعنى التفسير الإسلامي للتاريخ بهذا الجيل الفريد خاصة، حتى وإن كان لم يتكرر مرة أخرى في التاريخ! ويعطيه من الوزن أكثر مما يعطي قرونا بأكملها في تاريخ إمبراطورية جاهلية، أبدعت ما أبدعت في عالم المادة، وبلغت ما بلغت من عبقرية"العلم"وعبقرية السياسة وعبقرية الحرب وعبقرية التنظيم .. ثم تركت الإنسان أولا وآخرًا لاصقا بالطين، يتحرك حركته الواسعة وهو لاصق بالطين!
القسم الثاني من البشر هم المؤمنون العاديون .. أصحاب عقيدة، هي ذات العقيدة التي فعلت فعلها في نفوس ذلك الجيل، ولكنها لا تفعل في نفوسهم ما فعلت في نفوس ذلك الجيل الفريد، لأنهم لا يأخذونها بالجدية ذاتها، ولا الصفاء ذاته، ولا التوهج ذاته الذي أخذها به الجيل الأول .. وإن كان تاريخ الإسلام لم يخلُ -كما قلنا- من نماذج فردية فذة ترتفع إلى ذلك المستوى الرفيع.
هؤلاء تاريخهم خليط من الهبوط والرفعة. من الإقبال والإدبار. من الخير والشر. من العظمة والتفاهة. من الجد والهزل. من الاستقامة والانحراف.
(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [سورة فاطر: 32] .
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا) [سورة الأنعام: 132] .
ونأخذ نموذجا لهم ما يقرب من اثني عشر قرنا من قرون الأمة الإسلامية بعد الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم- ونستثني -مؤقتا- القرنين الأخيرين من حياة المسلمين، والقرن الأخير خاصة، الذي انقلب غثاء كغثاء السيل، حتى نعود إليه بعد حين.
إن وضعهم -بالنسبة للضغوط الواقعة عليهم- ليس وضع المستعلى الذي كان عليه الجيل الأول، ولكنه في الوقت ذاته ليس موقف المستخذي الخانع الذي يمكن أن تكون عليه الجاهلية التي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
إن وضعهم قائم بإزاء الضغوط .. لا فوقها ولا تحتها .. تارة تغلبهم وتارة يغلبونها، أي أنهم -بعبارة أخرى- يخضعون لشهوات نفوسهم ورغائبها ومخاوفها تارة، ويستعلون على تلك الشهوات والرغبات والمخاوف تارة أخرى، فتتأرجح حياتهم بين الهبوط والرفعة، بين الإقبال والإدبار، بين الخير والشر. بين الاستقامة والانحراف. وليس هنا مجال التأريخ، فإنما نحن هنا نتحدث -في عجالة- عن التفسير الإسلامي للتاريخ ولكن لا بد لنا من بضع إشارات:
لقد بقي المجتمع الإسلامي -على الرغم من كل ما وقع فيه من انحرافات -بعيدا عن صورة الإقطاع الأوروبي الذي يملك فيه الإقطاعي الأرض ومن عليها من عبيد الأرض، الذين لا يملكون حق الانتقال إلا بإذن السيد، والذين يمثل السيد بالنسبة إليهم السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية، والذين يجب عليهم أن يطحنوا غلالهم في مطحنته، ويقدموا إليه الهدايا الإجبارية في الأعياد والمواسم، والذي له في كل زيجة حق الليلة الأولى، يلغ في أعراض العبيد بغير رادع .. [1]
(1) راجع وصف الإقطاع في أوروبا في أي مرجع تاريخي يتكلم عن أوربا في العصور الوسطى.