وكان الذي حماهم من"حتمية"الإقطاع المزعومة تحاكم ذلك المجتمع إلى شريعة الله، برغم كل الظلم الواقع عليهم من حكامهم، الناشئ من تجاوز أولئك الحكام -فيما يتعلق بأشخاصهم- لحدود الله. فهم يتجاوزون حدود الله نعم، ولكن الناس -في ظلهم- يتحاكمون فيما بينهم بشريعة الله، فتحميهم شريعة الله من الوقوع في"حتميات"التاريخ!
وبقي هذا المجتمع -برغم كل ما وقع فيه من انحرافات- مجتمعا يحرص على نشر العلم، يفتح المدارس، ويوقف عليها من الأوقاف ما يكفل للمتعلمين والمعلمين معاشهم من مسكن وملبس ومطعم، ليخلصوا لطلب العلم وحده غير مشغولين عنه بمشاغل الرزق، وذلك قبل أن تنهض أوروبا نهضتها، وتعرف قيمة العلم، وقبل أن تأذن الأرستقراطية الإقطاعية فيها بتعليم العبيد.
وبقي المجتمع -رغم كل انحرافاته-نظيفا إلى حد كبير من الفاحشة الخلقية، بسبب التزامه بتعاليم دينه في أمر الحجاب، ومنع الاختلاط والتبرج، والزواج المبكر الذي يحصن الشبان والفتيات ويبعدهم عن التفكير في الفاحشة.
وبقي مجتمعا متآخيا متكافلا مترابطا. يخرج المسلم فيه من الغرب حتى يصل إلى أندونيسيا لا يقفه حاجزا واحد من حواجز"الحدود السياسية"أو"القومية"أو"الوطنية".. يستقبل بالترحاب، ويودع بالمودة، حتى يصل إلى هدفه من رحلته، سواء كان هدفه طلب العلم، أو التجارة، أو الدعوة في سبيل الله، أو السياحة في الأرض ..
وبقي -برغم كل ما اعتوره من اضطراب الأمن عند ضعف سلطان الدولة -أقل مجتمعات الأرض جرائم، وأكثرها طمأنينة وأمنا، وأكثرها بركة، وأكثرها راحة بال.
وكان السبب في ذلك كله أن أهله يحاولون جهدهم -برغم تقاعسهم وتخاذلهم- أن يلتزموا بتعاليم دينهم، فيغلبون نفوسهم أحيانا، وتغلبهم نفوسهم أحيانا. فيهبطون -قليلا أو كثيرا- عن مجتمع الذروة، ولكن يظلون في مجموعهم أعلى وأفضل من الجاهليات.
ثم نأتي إلى القرنين الأخيرين، والقرن الأخير خاصة حيث نحيت شريعة الله في معظم الأرض الإسلامية، فنجد انتكاسا ذريعا في أحوال الأمة يحولها إلى ذلك الغثاء الذي أنذرها به -وحذرها منه- رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل. ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا ومخافة الموت" [1]
ونجد خضوعا ذريعا للضغوط .. سواء كان ضغط الاستعمار الصليبي، أو ضغط الغزو الفكري (الذي يسمى الثقافة) ! أو ضغط الفساد الخلقي (الذي يسمى الحضارة) ! أو غير ذلك من الضغوط المادية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية .. الخ. ذلك لأن أثر العقيدة كان قد خبا في النفوس، فلم يعد لها ضغطها الذي يوازن تلك الضغوط، فضلا عن أن يوقفها ويتغلب عليها. ونجد المجتمعات الإسلامية بذلك قد دخلت في جاهلية أسوأ من جاهلية الغرب فلا هي تحكم شريعة الله، ولا هي تملك أسباب القوة التي يمكّن الله بها الكفار حين يجتهدون فيها.
ثم تجيء الصحوة الإسلامية فتبدأ صفحة جديدة في التاريخ.
وإنها ما زالت في بدايتها .. وما زالت تخوض معركة قاسية مع أعدائها المتكتلين لإبادتها، ولكنها ترسم خطا بارزا من خطوط التاريخ، لأنها تستعلي بروحها على كل الضغوط.
(1) سبقت الإشارة إليه.