الصفحة 59 من 110

إنها تحارب حربا بشعة، من أبشع ما وجه للدعوات في التاريخ. ويعذب أصحابها عذابا وحشيا فوق طاقة البشر .. وتقدم الضحايا تلو الضحايا .. ولكنها تقف مستعلية على متاع الأرض كله، بل على رغبة الحياة ذاتها .. وتعطى النموذج الفذ مرة أخرى: نموذج سحرة فرعون، وأصحاب الأخدود، والجيل الإسلامي الفريد ..

وسوف يمضي الله بها قدره، إن استقامت على الطريق، إن ظلت مستعلية على الضغوط. وقدره هو التمكين لدينه في الأرض:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) [سورة الفتح: 28] .

وإلا فسوف يستبدل بها قوما آخرين يستقيمون على الطريق:

(وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [سورة محمد: 38] .

(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [سورة يوسف: 21] .

أما القسم الثالث من البشر فهم الجاهليون، الذين لا يحكمون شريعة الله ومنهجه في الحياة. وهؤلاء الأصل فيهم هو الخضوع للضرورات، لأنهم بغير عقيدة في الله واليوم الآخر، يستعلون بها عليها، ويحتمون بها من ضغوطها. كما أن الأصل فيهم هو الخسر:

(وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر: 1 - 3] .

وهؤلاء يصدق عليهم ابتداء ما يقوله التفسير المادي للتاريخ من أن الظروف الخارجية هي التي صاغت لهم حياتهم، وحددت لهم أنماط سلوكهم، ونقلتهم من طور إلى طور. وإن كنا -حتى مع الجاهليات- نتحفظ تحفظين اثنين على هذا التفسير:

الأول: أن الظروف الخارجية لا تؤثر على الإنسان إلا من خلال نفسه، فإذا وجد في وقت من الأوقات أن تأثيرها هو الغالب، أو أنها تملى فيستجاب لها، فليس ذلك لقوة قاهرة فيها كما يصورها التفسير المادي، وإنما لأن الناس في الجاهليات لا يقاومون ضغوطها، ولا يستعلون عليها، لأنهم بغير عقيدة في الله واليوم الآخر. والعقيدة في الله واليوم الآخر هي أقوى العوامل التي يمكن أن تجابه الضغوط الخارجية (التي تتحول إلى ضغوط داخلية حين تنفذ إلى النفس من خلال رغباتها ومخاوفها) فتلغي تأثيرها، أو في القليل تصطرع معها فتغلبها مرة وتنهزم أمامها مرة. وفي غياب هذه العقيدة تكون"البيئة"بكل محتوياتها: السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي صاحبة الأثر الأقوى، لا لأية حتمية من حتميات التفسير المادي، ولكن لأنها تعمل دون مقاومة فتنفد بالتأثير، وتبدو للنظرة السطحية كأنها -في جميع أحوالها- قوة قاهرة لا تغلب.

والتحفظ الثاني أنه حتى في غياب العقيدة الصحيحة في الله واليوم الآخر، فإن هناك حدودًا للضغوط الخارجية لا يمكن أن تتجاوزها مهما يكن لها من ضغط، وهي حدود الكيان الإنساني ذاته، الذي ينفجر بالثورة آخر الأمر حين يتجاوز الضغط مداه.

ولكن الذي يجعل الناظر السطحي، أو المتعجل، يغفل هذه الحقيقة هو مرونة ذلك الكيان، وتحمله لكميات هائلة من الضغوط قبل أن ينفجر بالثورة، وإمكان مرور أجيال بكاملها قبل أن يحدث الانفجار!

وكأنما هناك دورة منتظمة لسنن الله في هذا الشأن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت