يحدث الطغيان أول مرة فتثور ضده نفوس، فيعنف الطغيان لإسكات المقاومة فيسكت الناس بعامل الخوف. ثم تولد أجيال في ظل الطغيان تأخذه على أنه أمر واقع، فتتشكل به حياتهم، وتنطبع به نفوسهم، ويأخذ جولته"التاريخية".. ويغريه استنامة الناس له فيشتد طغيانه .. وهنا تبدأ أكثر النفوس إباء فتتمرد عليه، فتزداد قسوته للفتك بالمقاومة الناشئة، حتى يأتي يوم يستوي عند الناس أن يعيشوا أو أن يموتوا .. وهنا يكسرون حاجز الخوف .. فيحدث الانفجار. وبصرف النظر عما يقوله التفسير المادي عن الظروف اللازمة لنجاح الثورة، فإننا هنا نتحدث عن دلالة الثورة في ذاتها كما أسلفنا القول، لننفي أن الضغوط الخارجية لها قوة قاهرة على النفس البشرية كما يصور التفسير المادي للتاريخ.
ثم نعود إلى مناقشة قضية الظروف اللازمة لنجاح الثورة فنقول إنه في الجاهليات يحتاج الأمر بالفعل إلى ظروف مادية واقتصادية وسياسية معينة لنجاح الثورة، لأن قوى الصراع كلها من نواع واحد، فينبغي أن تتكافأ أولا ليكون للصراع بينها معنى، ثم ينبغي أن تكون الظروف في صف القوى الثائرة لتتمكن من التغيير، وإن كان تغييرها يظل دائما جزئيا وغير شامل.
أما في حالة وجود العقيدة الصحيحة في الله واليوم الآخر فالأمر يختلف، وليس الاختلاف ناشئا من إلغاء قاعدة التكافؤ في الصراع، فهذه سنة من سنن الله، لا يلغيها شيء. وإنما ينشأ الاختلاف من"ثقل"العقيدة في ميدان الصراع:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ، الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [سورة الأنفال: 65 - 66] .
وينشأ كذلك من ثقل العقيدة في ميدان التغيير. فالمنهج الرباني ليس تغييرا جزئيا في بعض مجالات الحياة: السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، كما هو الحال في الثورات التي تحدث في الجاهليات من أجل التغيير. إنما هو تغيير شامل يغير الحياة من الجذور .. من الأساس .. يغيرها من عبادة غير الله إلى عبادة الله -في العقيدة- ومن عبادة البشر بعضهم لبعض إلى عبادة الله- في الاتباع (أي في التشريع) - ومن ثم تكن قوة التغيير أكبر بكثير، وأعمق بكثير، وأفعل بكثير، من قوته حين يكون تغييرا جزئيا في بعض جوانب الحياة.
ومن ثم تحدث تلك المعجزة التي حدثت في التاريخ، مخالفة لكل قواعد التفسير المادي للتاريخ، وهي حدوث التغيير الشامل الذي أحدثه الإسلام بغير بواعث بشرية في البيئة، ولا في الظروف المادية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية .. وهو أعظم تغيير حدث في التاريخ.
وخلاصة الأمر في قضية الضغوط أن تاريخ البشرية ينقسم بادئ ذي بدء إلى قسمين رئيسيين: تاريخ الإسلام وتاريخ الجاهلية. ثم ينقسم تاريخ الإسلام إلى فترات التوهج العقيدي وفترات الوجود العادي، كما ينقسم تاريخ الجاهلية إلى فترات التبلد والاستنامة للضغوط، وفترات الثورة عليها.
فأما تاريخ الإسلام بشعبتيه فيمثل الإنسان في واقعه الأعلى، بدرجات مختلفة تختلف بمدى توهج العقيدة. وأما تاريخ الجاهلية بشعبتيه فيمثل الإنسان في واقعه الأدنى، بدرجات مختلفة تختلف بمدى وعي الناس بما يحيق بهم من الفساد والظلم، ومدى استعداداهم للتغيير.