الصفحة 71 من 110

ولكن هناك فارقا جوهريا بين إنسانين، وأمتين، ودولتين، وتجمعين .. أحدهما مؤمن والآخر كافر .. فهذا هو الفارق الحقيقي الذي تختلف بحسبه نتيجة الصراع، ويتغير بحسبه واقع الأرض، وتترتب عليه -في التاريخ- أن تكون الصفحة بيضاء أو سوداء.

وحقيقة أنه لا توجد في التاريخ صفحة بيضاء خالصة البياض -إلا صفحة الأنبياء والرسل- ولا صفحة سوداء خالصة السواد إلا ما ندر من عهود الطغاة كعهد نيرون، والتتار قبل أن يسلموا، والطغاة الذين يذبحون المسلمين في العهد الحاضر .. وأن الأغلب أن يختلط السواد بالبياض في كل صفحة من صفحات التاريخ .. ولكن هذا لا يدعو إلى تمييع القضية، والتسوية بين صفحات التاريخ. ففرق كبير بين صفحة يملؤها البياض إلا خطوطا سوداء متفرقة هنا وهناك، وصفحة يملؤها السواد إلا خطوطا بيضاء متناثرة هنا وهناك.

ومهمة التاريخ أن يسجل الواقع كما يحدث بالفعل، مبينا فيه الأبيض والأسود من كل صفحة ومن كل سطر ..

يحتفل التفسير الإسلامي احتفالا خاصا بصراع الحق والباطل، ويتتبعه تتبعا دقيقا خلال التاريخ، ويتتبع الآثار التي ترتبت عليه في واقع البشر، ويهتم بهذا الأمر أضعاف اهتمامه بالصراعات الأخرى التي لم تغير شيئا جوهريا في الوجود البشري، وإن كان يسجل الواقع التاريخي بالأمانة والواقعية التي يتناول بها المسلم كل شأن من شئون الحياة، فيسجل الصراعات كلها كما حدثت في الواقع، ثم يعطيها حجمها الذي تستحقه، ووزنها الذي تساويه، ولكن في ميزان القيم الحقيقية التي يقررها المنهج الرباني، لا القيم التي تمليها أهواء البشر المحجوبين عن نور الله:

(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ) [سورة المؤمنون: 71] .

ويؤمن التفسير الإسلامي بأن الغلبة في صراع الحق والباطل تكون للحق في نهاية المطاف:

(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [سورة الصافات: 171 - 173] .

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) [سورة الرعد: 17] .

ولكن لا يغفل التفسير الإسلامي عن أمرين رئيسيين في هذه القضية.

الأمر الأول أن الباطل يمكن أن ينتفش في الأرض فترة من الوقت، ويستعلي على الحق، حسب سنة من السنن الربانية، هي الإملاء للباطل قبل تدميره:

(فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [سورة الرعد: 32] .

وسنة أخرى هي ابتلاء أهل الحق وتمحيصهم:

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [سورة العنكبوت: 2 - 3] .

(وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [سورة آل عمران: 141] .

فانتفاش الباطل في تلك الفترة -مع وجود الحق، وقيام جماعة من المؤمنين بخوض الصراع من أجله- ليس معناه هزيمة الحق، وليس هو النتيجة النهائية لصراع الحق والباطل.

إنما يملي الله للباطل، ليزداد طغيانا حين يرى انتصاره الموقوت على الحق، فيغريه ذلك بمزيد من الطغيان، حتى يستحق عذاب التدمير كله في الدنيا فضلا عن عذاب الآخرة .. وذلك شأنه سبحانه:

(إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [سورة آل عمران: 178] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت